احلام ابناء الاتحاد في يوم الاتحاد

أحلام أبناء الاتحاد في يوم الاتحاد

  استقبالات وتكريم , مدح وثناء وترحم على الاباء المؤسسين- رحمهم الله – , ندوات دينية أغاني واهازيج  وطنية , ملتقيات تربوية افتتاح قاعات وطنية , مسابقات ومؤتمرات , إقامة قرى تراثية وندوات شعرية , دورات في حب الوطن وأخرى لتعليم الصغار “الرزيف”- رقصة شعبية – مسيرات بحرّية , تزيين شوارع ومستشفيات ومرافق حكومية , تلك بعضا من فعاليات اليوم الوطني الأربعون لدولة  الامارات العربية  المتحدة.

  تنامت لدي مشاعر الفرحة  والبهجة بهذا التاريخ المجيد , الذي نشأ جل أبناء الاتحاد في أحضانه ,ولم تجد نفسي المتيمة بحب الوطن سوى أن تعانق السعادة وتبث شجون الحب والولاء لتراب الوطن الغالي , وتدعو الله أن يديم الأمن والأمان على الوطن والشعب والقيادة,  وبينما أنا في روعة تلك المشاعر الخلابة المفعمة بدفئ الوطن , حتمت علي تلك المشاعر أن أبث بعض أحلام وأماني أبناء الاتحاد , وإن كان المشهد يغلب عليه اصوات الاغاني والاهازيج  وقرارات سارَة أخرى بزيادة رواتب بعض الموظفين .

   أفهم انه من المطلوب  منا ان نشارك الجميع فرحة الوطن بل “ونرزف” معه, لكن الذي لا أفهمه وفي هذه المناسبه بالذات هو ان تنقلب الأولويات وتصبح الاغاني والاهازيج تملأ الاجواء ,والاتحاد تخيم عليه قضايا طارئة وحتمية تؤرق المواطن والوطن, وان حالات  تلك  الاهازيج وما تحمله من المدح والثناء بكافة اشكاله, في ظل غياب طرح حلول ناجعة  لقضايا الاتحاد المصيرية يعد هروبا للامام ويزيد المشهد تعقيدا وتخبطا.

   من المهم أن يتزامن مع تلك الاحتفالات والاهازيج ، والمنح والرواتب لكسب الجماهير, مناقشة قضايا الاتحاد وكيفية تأصيل قيمه في ربوع الوطن واقتراح سياسات وخطط استراتيجية شاملة لتعظيم دوره والمسارعة لحصر معوقات نمائه والعزم على علاجها.

   ومما يثير الدهشة أن يركز الاعلام بكافة اشكاله على إبراز مزايا الاتحاد ومحاسن السلطة وأنه في أبهى حلة وأقوى شكيمة وأفضل دور, دون إبراز الوجه الاخر وهو الأكثر أهمية, وأن نسيان هذا الوجه  ليس إلا جحودا للوطن وأنانية مفرطة تشغلنا بخيرات الوطن ونعيمه وتنسينا قلبه المهموم , وهذا ليس هو أفضل ما يمكن ان نقدمه لاتحادنا في هذا اليوم.

   كم تمنيت كلما وقعت عيني على مشاهد الاغاني وروعة الاشعار وبرقيات التهاني ومنتديات الاطراء, أن  يصاحب تلك الفعاليات المثيرة مؤتمر جماهيري عام تدعى اليه مختلف فئات المجتمع يتحاورن ويتداولون هموم الاتحاد وشجونه, ومستوى أدائه والمعوقات التي تعيق مسيرته ليشارك تلك الاهازيج فكر سليم و رؤية واضحة وخطة شاملة, وليكون يوم الاتحاد يوم عمل واجتهاد وذكرى تهفوا إليها جميع الأنفس ليس لنيل إجازة او تلقف مكرمة إنما لاكتشاف أنفسنا  وقوة اتحادنا.

   ان يوم الاتحاد مناسبة مليئه بالفرص والكنوز التي يمكن للسلطة من خلالها أن تعزز موقفها أكثر إزاء الشعب , وأن تجود على الوطن والمواطن بهدايا أنفس من رواتب زائدة يحصدها الغلاء, ويمكن ان نستعرض مما يلي بعضا من تلك الفرص لعل يوما  ما تقع تحت عين أحد المسئولين فيحييها حبا للوطن والمواطن :

  – ان من نافلة القول ان نستعرض أمر المشاركة الشعبية الحرة والحقيقية واحترام الرأي والرأي الاخر, وان مناسبة ذكرى  قيام الاتحاد هي المناسبة الافضل لتحقيق  ذلك المطلب وضمن مواقيت واضحة ومحددة , والتي يتطرق اليها  عادة عبر خطابات جميلة ونوايا حسنه لكن ما يراه الشعب على ارض الواقع يخالف تلك النوايا.

  – لا أرى سببا واحدا عقليا أوعلميا او حتى إداريا وفنيا في أن لا يكون مشروع التركيبة السكانية مشروعا قوميا توجه طاقات البلد إليه دون تسويف أو تراخي , ومما يبعث على الحيرة والحزن حينما تعرف أن هذا المشروع تداولته خلال ثلاثين سنة ماضية أو أكثر لجان عديدة ومع هذا فإن خطر هذا الملف  يتعاظم , وكان من المفروض من سلطة الاتحاد ان تتباحث مع شعبها في سبل علاج هذا الخطر الجاثم على كل مفصل من مفاصل المجتمع الاماراتي وان يكون مؤتمر الاتحاد هو البداية الحقيقية لوضع خطة شاملة فعالة وضمن برنامج زمني يتفهمه الشعب , ويوكل الملف لتنفيذه إلى فريق وطني متجرد يحظى  بخبرة واسعة وهمة عالية, ليتكاتف الجميع في تحريك عجلة انقاذ هوية وثقافة المجتمع الاماراتي .

 –  كنت من الذين شاركوا في  مشروع التوطين على مستوى الحكومة الاتحادية , وتركت الحكومة بعد 3 سنوات دون تحقيق نسب التوطين المرجوة , ومن خلال الاطلاع على اخر البيانات الصادرة  عن الهيئة الاتحادية للموارد البشرية  لعام 2011    بشأن نسب التوطين في الحكومة الاتحادية فان الامر سيدهشك اذا علمت أن نسب المواطنين في القطاع العام كما هي لم تتغير خلال السنوات الخمس الاخيرة ,بل إن بعض الوزارات الخدمية مثال التربية انخفضت فيها النسب , وكان من الاجدر في هذه المناسبة السعيدة ان تعرض السلطة خلال المؤتمر الجماهيرى خططها, وأسباب القصور والتعثر وتحاسب المسئول عن هذا في ظل تنامي مشكلة البطالة!

 – الغلاء الفاحش الذي بسط جحيمه على كل قطاعات الوطن, ما هي أسبابه وكيفية  علاجه ومن المسئول عن استشرائه , ومدى التأثير الناجم من تزاوج المال بالسلطة , إن هذه التساؤلات وغيرها كان من المفروض أن تتفاعل معها السلطة ويتبارى فريقها في حضرة الشعب للتغلب عليها , والا فلا داعي لزيادة الرواتب فان فم الغلاء يلتهم  تلك الزيادة ان لم يكن الراتب نفسه !

  – من المؤسف أن نقول في هذه المناسبه المديدة ان كل شئ ينمو ويزدهر ويقوى عوده  في هذا الوطن إلا اتحادنا  فهو في نزول وانحدار إزاء بروز نجم الحكومات المحليه, فأصبح أسيرا لكثير من السياسات المحليه والتي يغلب على بعضها الارتجالية والتسرع وتفرد بالقرار, وعوضا عن كون الاتحاد متبوعا أصبح تابعا, وليس من النادر أن تجد مسؤولا محليا يتقلد منصبا رفيعا في الحكومة الاتحاديه, فلمن سيكون هواه؟

 – إنني لم أفهم حقيقة التزاوج المميز بين المنصب الحكومي ورجال الاعمال في الحكومة الاتحاديه  والمحلية على سواء, فالكفاءة ليست هي المقياس, وانه من الطبيعي بعد ذلك ان تجد المسئول الحكومي صاحب القرار يحظى بنفوذ ومصالح  في القطاع الخاص ويمتلك عددا من الوكالات التجاريه والخدمات , وهذه أحد أسباب التباطؤ الشديد في علاج مختلف قضايا الوطن , وان المبادرات  الصادقة من بعض المسئولين المخلصين لنزع لباس الغلاء المستشري في ربوع الوطن وتعثرها فجأة تعد أحد الشواهد لذلك.

  – المبدأ الرئيس للاتحاد هو مشاركة الامارت في دعمه وبناءه معنويا وفنيا وماليا , وهذا ما ينادي به السادة اعضاء المجلس الوطني الاتحادي ضمن محاضر مناقشة الميزانية الاتحادية , أليس من المفروض أن نناقش تلك القضية ونتعرض لأبعادها وسبل تطبيق قوانينها بجو أخوي ولمصلحة الشعب والاتحاد فقط , مما يعمق دور الامارات المحلية في الاتحاد, وهذا لا يمنع من مراعاة حجم كل امارة ومستوى مواردها, ونحن بهذا نوازن بين احترام الدستور والقانون وتفهما لموارد كل امارة وبين تلبية مطالب أبناء الاتحاد نحو مزيدا من الوحدة الفاعلة.

  – مما يبعث على الحزن والأسى  وبعد أربعين سنة من عمر الاتحاد أن  يشتكي مواطني الاتحاد من تصنيفات وخطوط حمر خفية لا داعي لها تحت راية الاتحاد , فتقف حجر عثرة أمام المواطن الكفؤ حين يطلب الوظيفة , ويجدها المواطن في معاملاته الحكوميه , والأعجب أننا مازلنا نسمع ونشاهد بعد انقضاء  تلك الاربعين سنة مواطنين من الدرجة الاولى والثانية والثالثة , بل إن بعض المتنفذين يؤصّلون هذا المبدأ في قطاعات الوطن المختلفة لمطامع شخصية قصيرة النظر أوتوثيق نفوذا لهم على حساب اتحاد الوطن وشعبه.

   – من مفارقات تلك الفترة من عمر الاتحاد وفي ظل نفقات وتكاليف باهظة أحيانا في التعليم لتأهيل مواطن مثقف خبير في مجال معين أو في تخصص نادر يخدم البلد , فإنك تلمس بعضا من عقدة الاجنبي وتستشعر ضعف الثقة في كفاءة المواطن , فتجد بعضا من المدارس والجامعات وهيئات مالية اتحادية ومحلية وصنايق وهيئات استثمارية وبنوك ومراكز اخرى استراتيجية وغيرها قد سلمت مقاليد أمرها كثيرا من الاجانب , مما يولد الإحساس بالضيم ويزيد من هجرة  العقول المواطنة عن مفاصل الوطن الاستراتيجية , ويشوه هوية الوطن ويزيد من ضبابية مستقبله .

  – من قبيل التكرار أن نعرج على مستوى الخدمات المتدنية  التي تعانيها المناطق النائية وبعض مدن الدولة  في ظل اربعين سنة من عمر الاتحاد وتوافر موارد هائلة , وذنبها الوحيد انها نائية عن المدن الرئيسة  حيث المال والاعمال والنفوذ, ويصاب  المرء بالحيرة حين يرى انقطاع الكهرباء ومستوى الصرف الصحي  والمساكن والطرق في دولة تمتلك أعلى برج في العالم , أليس من الواجب في هذا اليوم الوحدوي ان نرفع صوتنا ونوحد خططنا شعبا وحكومة لعلاج تلك القضايا وضمن خطة شفافة ومحددة , وأرجو أن لا  يفتتن المرء كثيرا بتلك الجسور والقطارات والطرق السريعة وبمواصفات عالمية فيسأل ماذا يريد الشعب أكثر من ذلك؟ ذلك أن كل ما تم انفاقه على تلك البنية التحتية لم يصب في مصلحة الشعب , وإنما كانت من قبيل تلبية حاجات الكثافة السكانية المختلة, ولن تجد له أثرا ظاهرا على أرض المواطن النائية .

  – لا يعيب الحكومات المحلية المنافسة في تقديم الخدمات بطبيعة الحال, لكن يعيبها ان تكون كذلك ثم تقرر أن تلقي بنفسها في خضم مشروعات خدمية هي فوق طاقتها,  لأنها في هذه الحالة تترك ما  تجيده لتتخبط فيما لا تجيده بل تحمل نفسها  والحكومة الاتحادية أعباء مالية وادارية وديون هي في غنى عنها , وان مسالة التنسيق وتوحيد خدمات الطيران والموانئ والجمارك والصناعات والمناطق الحرة والاستثمارات والسياحة وشركات الوقود والكهرباء والماء وغيرها من الخدمات سوف يعزز دور الاتحاد وينقذ الحكومات المحلية من التخبط والتعثر.

  – إن مجالات التشريع والقضاء والتعليم والصحة والاسكان والشئون الاجتماعية والمجالس الرياضية والاجتماعية ومعاهد التدريب المهني والعلمي والصناعي ومراكز رعاية الأحداث وغيرها من خدمات يومية تهم الشعب تفتقد الى سياسات واضحة المعالم وتعمل بتنافس في غير محله , وما المانع ان تدمج كل خدمة في هيئة اتحادية- كما كانت- يستمتع بثمارها كل الشعب , ولنتصور كم من الوقت والجهد والمال الذي ستوفره الحكومات المحليه قبل الاتحادية اذا سلكت هذا المسلك, وهذا لا يتعارض أبدا مع مبدأ اللامركزية واستقلالية الحكومات المحلية ان صحت النوايا وعظمت الارادة, وإن الوطن والمواطن أهم بكثير من اجتهادات محلية تعوق مسيرة الاتحاد.

 – إلى هنا وليس في الامر مفاجأة , لكن المفاجأة هو تراجع معدل استقلالية مؤسسات الاتحاد التشريعية والقضائية والاعلامية والنقابية وغيرها من مؤسسات المجتمع التي من المفروض أن تتبنى مبادئ الحرية والاستقلال والنزاهة والشفافية , فجثمت عليها الاجهزة الامنيه لتؤثر على مسيرتها الشريفة ,ومن المخجل أن يكون عند بعض اخواننا  من العرب ربيعا ونحن ما  ما زلنا في برد قارص .

    ان تبعثر سلطات الاتحاد والتدخل المخيم عليها من  مختلف الاطراف, وتجميد او تجاهل لكثير من مواد دستورية وقانونية تصب في صالح بحر الاتحاد الهادر, واذا انضافت عليها سموم وقضايا التركيبة السكانية والتوطين والهوية والتعليم و سوء الخدمات وضعف التنسيق وغياب الحريات وغيرها , ذلك كله يمكن ان يشكل خلطة تفسد اجواء اهازيج وأغاني الاتحاد..وكل عام والوطن والشعب والقيادة بخير.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s