كن كالشمس ولا تكن كالشمعة

كن كالشمس ولا تكن كالشمعة

   لا أخفي شعورا بالإعجاب بفكر العلامة الامام ابوحامد الغزالي رحمه الله, في كتابه المميز إحياء علوم الدين, ومما ألهب اعجابي تعليقه على العلم مفرقا بين دور الشمس ودور الشمعة,فقال رحمه الله حينما عرج على العلم:فمن علِم وعمِل وعلَّم فهو كالشمس تضيء لغيرها وهي مضيئة في نفسها,وكالمسك الذي يُطيّب غيره وهوطيب,والذي يعلم ولا يعمل به كالدفتر الذي يفيد غيره وهو خال عن العلم,وكالابرة التي تكسو غيرها وهي عارية, وذبالة المصباح تضيء لغيرها وهي تحترق.انتهى.

   لاشك ان كل مخلوق له دوره وحاجته لدى البشر فالشمعة توحي بقمة الخشوع والتضحية والعبودية لله-ولذا فلها علاقة ودية بالكنيسة منذ القدم- والاستسلام للغير واعطاء الكل لاسعاد الكل ,في وقت تكبت فيه المشاعر والاحاسيس ويتجرع المرء من ذلك صنوف الصبر والاحساس بأعلى مراتب الاضمحلال, بينما الشمس السيارة المتجددة  عالية الشموخ تسبح لخالقها لكنها تأبى أن ينتهي يومها دون إضافة لرصيدها ولغيرها, فهي اقرب الى العطاء منه الى التضحية وإلى التجديد منه الى الفناء, فتدفيء المشاعر بغروبها وتلهب الابداع بشروقها,فتأخذ وتعطي ,ويكفيها فخرا أن عطاءها متجدد ووجودها حاضر في كل مشهد يستظيئ بسراجها.

   ليس بوسع أحد أن يخفي مشاعر الرومانسية وأجواء البهجة في حضور الشمعة ورقة نارها,و دمعة عينها وحرقة عودها وجمال لونها , فهي كما قيل: تحترق  لتنير لغيرها, ولكن أليس من الأجمل والأصوب أن نستنير وننير للأخرين ونفيد ونستفيد ونعلم ونتعلم و ننمو ولا نفنى.

  لم أفهم لماذا يعاقب الوالدين أنفسهم دون قصد حينما يتعاملوا مع أبنائهم بمشاعر الحب والود المفرط,فتجد الوالدين يعطيان الابن كل شيء من الوقت والجهد والمال من اجل اسعاد فلذة الكبد مقابل كبت تطلّع النفس وتأهيلها وتغذيتها بجماليات الدنيا والدين, وتجد الأب بحجدة مصلحة الأبناء قد نأى بنفسه عن تحقيق تطلعاته الذهنية والعلمية والاجتماعية والرياضية وغيرها.

  ان اخبارالعلاقات الزوجية ليس عنا ببعيد,فما يكاد قطار الحياة الزوجية ينطلق الا وجدت صاحبنا أو زوجته انبروا لبعضهما البعض سواء بتلاحم ايجابي أو سلبي, وسواء تلحفوا بعباءة الحب والرومانسية أوتفرغوا لتعثر يجب اصلاحة,فلا تجد الزوج إلا من عمل  إلى عمل لإسعاد الاسرة والزوجة اوأحيانا للسعي لشراء صمتها, ويكافح شئون الداخل والخارج بمزيد من الجهد والتضحيه , وكذلك الزوجة توترت يداها بمتابعة شئون الزوج والمنزل, واذا سألت الاثنان أين حق النفس ورعايتها وأين تحصيلها أتتك الاجابه لاشيئ ,فنحن هنا كالشمعة نحترق لإ سعاد الاخرين او حتى مقابل شراء صمتهم ,والاحتراق سيد المشهد في الحالتين.

  وان كنت موظفا مجتهدا في عملك راقب نفسك وتحدث عن عدد الساعات والأيام والسنين التي قضيتها في عملك وأسرفت حق الاسراف  في الإطلاع والتحليل والإجتماع والحوار في قضايا العمل, وقد تكون تجاوزت ساعات الدوام الرسمية  إلى منتصف الليل من أجل أن ترسم علامات الرضا والسعادة لدى مديرك أومؤسستك, وهذا جهد مشكور لكنني أخالك نسيت أن تجتهد في بناء كيانك الخاص صحتك وعقلك وجسمك واستقلالك المادي, ولا عذر لك هنا بالتشبه بالشمعة فإنك كما تعلم أن عملها مؤقت ونهايتها محتومة واربأ بنفسك ان تكون كذلك!

  من المفارقات التي تثير الانتباه في هذا الصدد أن المرء يشعر بالسعادة عندما يلهو في جماليات الحياة ومتعتها ويغلب هوى النفس عن صلاح مستقبله ,فهو يضرها في حين انه يرنو الى إسعادها ,وإذا أردته فابحث عنه في ميادين اللهو والمرح والتسوق وعالم الفكاهه,فلا تكاد تجد في جدوله كتاب ينفع ولادورة علميه ترفع,ولا سارية علم أو مشاركة اجتماعية تزيد من رصيد أثره في الحياة, فقد تخلى عن الشمس ليتشبه بالشمعة ,فهو لاسعاد هوى نفسه يحرق مستقبله من حيث لا يدري .

  إنني أحد الذين يؤمنون بمبدأ العطاء , فالعطاء تسمو به النفس وتتألق نحو معاني المشاركة والتجدد والطيبة والمحبة للأخرين دون أن تبيد أحاسيسك وكيانك وأثرك في الحياة,والعطاء مشاركة النفس والكون فتصبح كطائر يلف عالمه بجناحين جناح حب النفس ورعايتها والبحث عن مجالات تطورها وسموها وإبداعاتها  فهي امانة ووديعة إلهية, وجناح أخر عامر بحب الجميع متجدد العطاء مقبل على إسعاد الأخرين دون إفراط ولا تفريط وهذه إحدى أهم تجليات السعادة, بخلاف التضحية التي غالبا ما تكون متزامنه بالتخلي عن شيء نفيس تبتغيه.

  لايعيب المرء أن يكون نبراسا للغير شعلة تنير درب القريب والبعيد,لكن يعيبه ان يظل كذلك ثم يقرر أن ينهي دوره ومكانته وأهدافه وآماله في الحياة مقابل بقاء الآخرين, ولا يكون ذلك الا  مقابل ثمن غالي ومشتري عزيز يملك الدنيا والدين وهو الله سبحانه,فكن شمعة فقط مع الخالق.

Jalsh_555@yahoo.com

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s