العلامة لا يحتاج إلى تأشيرة

   التصريح الذي تلهفته وكالات الأنباء وطيرته إلى أرجاء الأرض وتصدر الصفحات الأولى لبعض كبريات الصحف, كانت تصريحات أحد المسؤولين الأمنيين الخليجيين بإصدار مذكرة اعتقال إلى الانتربول إزاء العلامة الدكتور يوسف القرضاوي, لم يكن أسوء مافيه فقط إصدار هذه التصريحات بحق علَم من أعلام الأمة, وإنما أيضا درجة التشهير والعداء اللفظي الفج إزاء عالم دين له احترامه قبل أن يكون رئيس إتحاد علماء المسلمين.

  نشاهد في عصرنا هذا ألوان شتى من العلماء فمنهم عالم السلطان وهو ممن أشارت بوصلته نحو عالَم السلطة والنفوذ,ومنهم عالم الجمهور وهوالذي يتمايل مع ما تهواه الجماهير لتحصيل شعبية ما أومكاسب أخرى هو يعلمها,ومنهم عالم الحق وهو ممن عبد الحق والتزم نهج نبيه, وإن خالفه القريب وعاداه الخصوم يصالح الحق ويجد الحرج في الدفاع عن سلوك ما.

العلم نوريضيئ ما حوله ولا يحق لعالم حصّله أن يحجبه عمن يستحق, والنصيحة الصادقة برهان على صدق وحب العالم لمن حوله, وعلماء الدين أئمة يدعون إلى سعادة البشر , وهم المقدمون على أئمة الدنيا كما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم ,ولذا حُمّلوا كثيرا من الواجبات,وإن بعضا من تلك الواجبات تسبب للعالم المتجرد لله كثيرا من الضغط والازعاج ,ولكنها واجبة الآداء  في الدنيا ولها ما يعوضها في الأخرة , ولو أبصرالمرء لفهم أن نصيحة العلماء له تسعفه لا تعاديه.

ليس من الحكمة بحال من الأحوال أن نتدافع للتشهيربعالم خرجت منه نصيحة لشخص ما بحب لا بكره, وإلا فمن الواجب كذلك أن نناصبه العداء اذا ناصرأخواننا في سوريا من جور وذبح بشار,أو نطالب الأمم المتحدة بأخذ الحيطة والحذر من تدخلات العلامة يوسف القرضاوي في ما حصل في تونس ومصر وليبيا واليمن ولا نلبي بعد ذلك مظالم الشعوب.

إن من أبناء جيلنا من حجبت  عنهم الكثير من بطولات علماء ربانيين جاؤوا من موطنهم الأصلي ليقولوا كلمة الحق في بلد آخر كأمثال ابن تيمية الدمشقي ودوره في مصر أيام المغول,والامام الغزالي البخاري ودوره في بغداد,وسلطان العلماء العز بن عبدالسلام الدمشقي ورايته التي وحدت أهل مصر,والعالم الدمشقي الاصل شمس الدين بن حمزة الأب الروحي للقائد العثماني محمد فاتح القسطنطينية وغيرهم من العلماء الذين لم تقف جنسياتهم او أصلهم في إسداء نصائحهم لبلدان المسلمين.

أدري أن العالم العربي تبدل ومر بأطوار ومقاسات جديدة, لكنني أعني كما وأنه يحق لعلماء الطب والفلسفة والهندسة والفضاء وغيرهم أن تعبر علومهم ونصائحهم أنحاء الأرض دون تأشيرات مرور,كذلك علماء الدين- وهم علماء كغيرهم- فمن الأجدر أن نستقبل علمهم ونصائحهم بتأني ونرد عليهم بمنطق الحجة وليس بمنطق الجرم ,والحكمة هنا أن نسند الأمر إلى أهل الرأي والعلم لبحثة وتبيين مواطن خطئه وليس بالتصعيد وتقزيم رموز الأمه.

إن من المهم أن نقتنع أن العالم أصبح صغيرا بل كالقرية الصغيرة بفضل ما أبدعه العقل البشري من تقنية وعلم لا يعرف حدا لعمقه, واستفاد منه العلم الشرعي لتصل فتاويه العالم أجمع ,وإن من مصلحتنا مسؤولين وشعوبا أن لا نقود حملة إزاء من يتبنى  العلم الوسطي وممن  له الأثر الجلي لعلاج كثير من مشكلات العصر,وكان سبيلا حيويا لهداية وتصحيح مفاهيم حادة ومتطرفة لدى عدد كبيرمن الشباب كردات فعل لحال الأمة.

 لا أستغرب تلك التصريحات من بعض المسؤولين الأمنيين  فهذا حال غالبية  الأجهزه الأمنية العربية فمن خالفها أصبح خصما لها , ولكن الذي أستغربة أن تصل تلك الخصومة إلى تسعيرالأمر ورفعه الى منظمة تعنى بمكافحة الجريمة الدولية! للنيل من كلمة قالها عالم رباني كان ومازال يدافع عن الشعب السوري المستباحة حقوقه وغيرها من الشعوب.

إن أسمى ما أعنيه هو أن العلماء ورثة الأنبياء,وهؤلاء الورثة سيسألهم من ورّثهم عن الدور الذي قاموا به لتوصيل ذلك الإرث لأهله, ولن يسألهم أبداعن نوع  بطاقة الهوية التي تعرّفهم بأصلهم وفصلهم ,لأنهم ببساطة علماء والعالم ليس له أن يخفي ما يعلم,أو أن يقول مالا يعمل والا اصبح نصف عالم , وهذا لا يحصّن عالم من الزلل, ويحق لأقرانه من العلماء حينها أوحتى غيرهم أن يصوبوه ولكن بأدب واحترام لا يغفل هيبة العلم.

Advertisements

One thought on “العلامة لا يحتاج إلى تأشيرة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s