في بلدي أزمة حرية!

حينما تعتقد بأنك إنسان خلقه الله حرا في انتقاء دينه وفكره ورأيه, فقررت حينها أن تبذل جهدا اجتماعيا أو نقابيا أو حتى خيريا مضنيا لإطلاق إبداعاتك, أوتولّدت لديك الرغبة في امتلاك حساب خاص على صفحات التواصل الاجتماعي يشبع طموحك, فأنصحك ان كنت في وطني الامارت أن تقف كثيرا إزاء تلك الفكرة لأنها ببساطة مهمة شاقة قد يتجرع من يهواها مرارات عديدة ويواجه صاحبها رياحا من الاستبداد والتخوين والتشكيك في الولاء للوطن, وحينها فقط قد تنضم إلى غالبية الشعب فتقول مالي ومال بحرالمشاكل فلعلي لا أجيد فن السباحة.

وان كنت جريئا -أو خُيّل ذلك لك – مما استدعى تخليك عن التعقل والحكمة في نظر بعض النخبة, وقمت بفتح حساب باسمك الحقيقي وأرفقته بأجمل صورك الشخصية لتشارك هموم مواطنيك وتتعرف على ما يدور من حولك دون رتوش أو إذن مسبق من سجّاني الكلمة ,فأنت اذا تتنكب طريقا موحشا لا يستقيم مع كاتب عاقل! وإذاً أنت مصابا بداء قصرالنظر وسينصحك الكتاب المستأنسين, بالتوقف حتى لاتنتقل أيها المواطن الحر من مرحلة الفضول الى منطقة الخط الأحمر.

وان استطعمت جمال التغريدة والتحق بك بعض المغردين وألِفْت المشاركة وشعرت بسموٍ يُظل قلبك وفكرك,واطّلعت على أفكار وقضايا  متنوعة تهمك وتهم وطنك ,وأثارت تلك الهموم شجون قلبك لتمنحك روح المشاركة والحماسة فعزَمْت أن تبذر كلمة حرة أو تحصد ثمرة طيبة أو تبيد تهمة معلولة أو تنقذ سقطة بريئة فالأمر لم ينته بعد , فستواجه ضابط الأمن الإلكتروني المتطفل الذي لن يرض أن يستلم راتبا مغريا دون أداء دوره المطلوب حيث السب والشتم والإتهام للنفس والمال والعرض وقد يتجلى حتى يصل إلى المطالبة بالإعتقال.

 واذا تحولت همتك نحو أرض الواقع وقضيت يوما في تخليص معاملاتك اليومية في بعض الدوائر الحكومية, وصدّقت كما يشاع على تويتر أن في بلدك حرية فسألت أحد أخوانك الموظفين بعد طول انتظار: متى يكون تخليص المعاملة؟ وأجابك: ننتظر الموافقة الامنية! فالزم الصمت فأنت تقف إزاء منطقة محظورة والأولى إن كان ولاؤك لولي الأمر أن تخفت صوتك وتطرق رأسك وتعود إلى أدراجك ,ولك  ياعزيزي ان تصرخ فقط بحرية هناك في بيتك أمام برلمان الاسرة!

وان كانت لديك مهنة وأحببت أن تُنتخب في نقابة مهنية أو جمعية اجتماعية لتدافع عن أبناء مهنتك أو تشارك هموم وطنك فتصدر مجلة أو ترفع مطالب شعبية, أو تصدر بيانا مهذبا ,أو تقيم حملة خيرية لنصرة إخوانك المهمومين في سوريا أوفلسطين أو حتى مواطنا منكوبا, لن تنتظر كثيرا قرار حل نقابتك وتخوين القائمين عليها وستكون أيها المنتخب عضوا مطاردا ليس لك من الامر شيئا.

واذا تمتعت بمنحة الجنسية وجوازها وهللت وترنمت وأصبحت عضوا شريفا ملهما للغير في حب الوطن ,وتعلمت وأبدعت ورفعت رأس الوطن والمواطن ,ولكن للأسف سوّدت ملفك الأمني حينما طالبت بتطبيق الدستور والقانون وصرّحت بحبك للعدل والحق وناديت بالوفاء لشعب يهوى الحرية والمشاركة السياسية وانتخابات حرة, فحينها ستَعي أنك رقما مهلهلا وصفرا على الشمال في رأي السلطة,ويُصدِّق ذلك انتزاع تلك المنحة.

  لا أخفي أن هذه حقيقة الصورة في وطني وهي جزء ضئيل مما يعانيه أحرار الوطن في جوانب حياتهم المختلفة , وإن ما تتبناه بعض النخب وبعض المسؤولين الحاليين أوالسابقين يعد انطباعا مغايرا تماما ويوهم الرأي العام  أن الأمور “طيبة” وأننا سبقنا العالم في تطبيق مبادئ القانون والحرية والديمقراطية.

  حتى إذا التمسنا عذرا للسلطة  فيما أقدمت عليه, يتمثل في حيرتها إزاء ما يمربه العالم العربي من ثورات عربية معدية تخللتها سقوط عروش وصراعات فكرية ودموية والخوف ان يصل مداها إلى أرض الوطن,فإن ذلك لا يسوّغ للسلطة إنتهاج مبدأ العصى الغليظة إزاء مطالب أبناء الشعب وفي ظل غفلة مريبة عما يواجهه الوطن من انتهاكات ثقافية واجتماعية وأمنية وقانونية وتشريعية تضر بمستقبل الوطن .

  لا أجد مفرا في اللحظة الراهنة  من القول بأن السلطة في وطني ليست شيئا واحدا في التعاطي مع القضايا التي يمر بها الوطن , ولكنني أزعم أن خوف وقلق قيادة الوطن من عواقب اطلاق الحريات هو القاسم المشترك بين أغلب تلك القيادات وهذا مصدره إعلام الأجهزة الأمنية المستبد, مما عزز رصيد منطق الوصاية على الشعب والوطن والاعلام والوظيفة العامة والأفكار ولغة الحوار ، واعتبار أي مبادرة بخلاف ذلك خروجا عن الطاعة أو طعنا باللحمة الوطنية, وقد صدق عبد الرحمن الكواكبي حين أشار منذ أكثر من قرن إلى حيل المستبد في تعزيز تسلطه بأن “الاستبداد يُكرِه الناس على النفاق والتذلل والخنوع ومراغمة الحس وإماتة النفس”!

   لاأريد أن أقلل من شأن أحد, ولكنني أستغرب ممن يتحامل عليك حينما تطلق كلمة أحرار الوطن وقد يقول بحرية أو بغير حرية :إن الشعب كله حر! وبدواعي حسن الظن أخاله يعني أن المواطن حر في أكله وشربه ومسكنه وسفره وركوب دابته وقد أصاب!,ولكن هذا مالا نعنيه “بأحرار الوطن”, وإنما الحرية التي يعنيها أبناء الوطن الاحرارهي: صرخة حرة تنادي بها بأعلى صوتك وهي ضميرك الذي يقودك إلى حسن القول والفعل وسلوك لا يتعدى على سلوك الآخر.

    إن الحرية التي نعنيها هي جزء من الفطرة البشرية, وهي صيانة كرامة الانسان والتحرر من كل معاني الاستبداد والوصاية السياسية والأمنية ,وهي كسر لجدار الخوف ورفض الشروط والظروف التي تنمي  الاستعداد لتقبل الخوف ,وهي التحرر من آفة الرعب المقلقة للابداع,وأنها كلٌّ لا يتجزأ ولا يمكن الفصل مابين حرية المواطن وحرية الوطن.

  كما أن الحرية هي رفض إعادة تكوين مواطن سلبي لا يفكر ولايبادر تأسره منغصات نفسية لا تنتهي, وهي كمال القول والفعل في ظل قوانين شفافة وقيادة متزنه وسلطات مقننة, ودون التبعية أو الحاجة إلى الانتماء الى أحد للحصول على مطالب عادلة.  

  وخلاصته الحرية تعني أن تعيش حرا وتتنسم معانيها ,وأن تحترم إنسانيتك ورأيك وتقدر حقوقك, وهي شعار يحبه المستبد والمقسط,والفرق بينهما أن الأول يستأثرها لنفسه وأما الآخر فيسعد بها ويمنحها لمن حوله,والحرية التي نسعى إليها هي الكرامة فلا معنى للحياة دون كرامة ولامعنى للكرامة دون حرية, ومن يعي ذلك سيعذرنا ويشاركنا القول لمعارضينا: “نحن لسنا مع رأيكم ولكن لن نقف! سنصارع ونضحي من أجل حريتكم وقدرتكم على قول الحقيقة”…اللهم فرج عمن يهوى الحرية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s