لابد للحرية من ميلاد وإن رفعها المتثاقفون..

  وقعت عيني على مقال لكاتب إماراتي في عموده اليومي على صحيفة الاتحاد الموافق السبت12 مايو2012بعنوان “المثقف الذي لا يعرف السقف” ومقالات أخرى له لا تحترم الرأي الآخر, حيث تضمن نقدا لاذعا لمن ينادي بالحرية في وطننا, وشبهه بمن ينادي بتفاحة آدم غسلها شيطان الجهل, وأنها متاحة ولكنها مستباحة من قبل من ينادي بها “بالتشويش والتهويش والتدليس والخيانة” لوجدان الناس! واغتصاب إرادتهم وحصار قدراتهم والاستيلاء على آدميتهم!.وأن المتثاقفون- يطلق على مدعي الثقافة- يفعلون المحرمات عبر سفينة الحرية, ويتاجرون باسمها ويساومون عليها..يلعنون الظلام دون أن يشعلوا شمعة, فهم لاهثون خلف سراب ,يتسترون بدموع التماسيح,ولديهم فن البكاء على اللبن المسكوب! وأضاف بأن المتثاقفون- كما يحلوا له بتسميتهم- متفننون في صناعة الإحباط والهزيمة,والطاقة الاجتماعية المذبوحة على مفاصل التنظير والتأطير, وهم أيضا غارقون في الوهم, ويصنعون الأحلام من أفلام كوميدية مرئية يائسة عابسة!!

  بحثت عن سبب مقنع لهذا الهجوم والتنكيل والاتهام المنافي للحقيقة فلم أجد! وإزاء هذه الحيرة فكدت أميل إلى أن أسبابا غير بريئة وراء تلك الحملة والتي تجلّى صاحبها باستخدام ذروة أنواع التشويه ,ولكن استوقفني حسن الظن فقلت لعل الكاتب اختلطت عليه الأمور والأحداث وشواهد الزمان متأثرا بخلفيته الروائية, ذلك أنه لا توجد أصلا  تفاحة أكلها أدم!,ناهيك أن الذي ينتهك الدستور ويفعل المحرمات ويغتصب الحقوق ويشوش ويهوش ويدلس على الناس ويخون الأمانة التي أوكلها إياه الشعب هي السلطات الأمنية وليس أحرار الوطن المستضعفين في الأرض.

  ما أتبناه أن الكاتب له الحرية في التعبير عما يجول في خاطره , وله أن يكتب ما يشاء وكيفما شاء, ولكنني أعيب عليه أن لا يحترم عقل القارئ فإن له عينا تقرأ وعقلا يمحّص وقلبا يَعِي, وإن أشد مايواجهه الكاتب الحر هي شفافية الطرح وتحري الدقة في تدوين معلومة قد تثير الرأي العام.

  مما يبعث على الألم والحزن بأن عددا من كتاب الوطن يحرصون وبجرأة للنيل من كل حر ينادي بأعلى صوته لفتح الأبواب الموصدة إزاءه,وهو يسعى عبر ندائه للوصول إلى قنوات التعبير الرسمية المقروءة والمسموعة والمشاهدة لإبراز مشهده وما يلفّه من قهر وانتهاك دون التفات من الكتاب,في حين أنهم يتبنون أو على أقل تقدير يصمتون عن سيل الانتهاكات الجليّة لحقوق المواطن من قبل السلطة الأمنية.

  وددت من الكاتب لو اجتهد قليلا في الحيادية والعقل والاتزان ,حينها سيفطن أن هؤلاء المتثاقفون كما يطلق عليهم,صحيح أن بعضهم لا يتمتعون بالقِدْح المعلّى من الثقافة,ولكنهم يقتنون سلاح الحقيقة ويستندون إلى قوة القانون والدستور, أفلا يشفع لهم ذلك؟ وإن تأخر ذلك الاجتهاد يشكك في مصداقية أي كاتب ويصيب حيادية قلمه في مقتل.

  ليس من المعقول لكاتب يدّعي حرية قلمه ثم تختلط عليه الأمور وتغالبه الظنون ويجري في سراب الهوى,ليس عجزا في قلمه ولكن تباطؤا منه في البحث عن الحقيقة ,وتصديقا لاتهام مرسل يقدمه طرف آخر لا يحترم العقل والضمير والقانون..فهو حينها  وبلا شك يثور على حكمته فيلطّخها بأحلام وتجليات تعرّي قلمه,ولا تنتهي به إلى طريق الحيادية.

  لقد بدت تلميحاتك وسهامك الاستعارية أيها الكاتب وكأننا نعيش في دولة أخرى غير الإمارات حتى عندما استعرت عظماءك وملهميك المبدعين لم تختر سوى رواد الفلسفة وعلم الكلام من أبناء الثورة الفرنسية, وبغض النظر عن تحفظي عما أنتجوه من أفكار أثارت جدلا واسعا وخالفت كثير منها عالم الحقيقة,لكن ما يعنيني  أن تُسقط تلك الأفكار على شباب الوطن الحر فتشكك في قدراتهم وإخلاصهم  فمرة تصفهم بالمراهقين ومرة بمرتكبي المحرمات ومرة بالخيانة ومرة بالجهل ومرة باللاهثين وراء السراب ومرة أطفال التغيير!! وأخال شكوكك قد تأثرت ببعض ممن ذكرت من عظماء الثورة الفرنسية ومنهم الفيلسوف  “ديكارت” الذي شكك في كل شئ من حوله في وجوده وعقله فخرج بمقولته الشهيرة:كلما شككت ازددت تفكيرا فازددت يقينا بوجودي!!

  مما لا يلتفت إليه معظم  كتابنا ومثقفينا أن الحرية لا تمنح أبدا من صاحب قرار مالم تحتضنها إرادة شعبية تصر وتطالب, ويغفلون أن للحرية ضريبة وثيقة يجب أن يتحملها مجموعة من البشر, وإنه من غير الصواب أن يكون المثقف الذي يعي تلك القاعدة أن يشارك السلطة الأمنية في النيل ممن ينادي بالعدل والكرامة والمساواة.

  أدري أن المطالبة بحقوق الشعب أمر ليس بالسهل, وأدنى للوهم عند البعض, وأعلم أنه قد يبطئ نيل الحرية لأنّ صرح الحرية في وطني لم ينضج بعد,أو حتى لأن يبذل الشعب كل مافي طوقه من جهد , أو حتى لأن يُكشف مزيدا من زيف عدو الحرية المستبد , ومهما تكن الظروف والمبررات فلا ينبغي أبدا أن نشبه بمن يطالب بحريته بالتائه بين الإحباط والهزيمة والغارق في الوهم!

  لقد انكفأ معظم كتابنا على ذواتهم, حتى غيّبهم عن مجتمعهم, وعن فهم ابن الوطن الحر الذي لا يعنيه أن يكون من المثقفين أم من المتثاقفين, يعيش أحلام اليقظة أم عالم الواقع, في السماء أم على الأرض,على قمة جبل أم على سفحه كما يشير الكاتب,ناهيك أن يكون مراهقا أم من ذوي الأحلام, فالأمر سيّان لشاب حر تملّكه هم الوطن وتلوّع لتخلف حقوق الشعب العادلة, فكانت غايته المُثلى هي تحقيق العدالة والمشاركة الشعبية الحرة, ليتحقق بهما صرح الحرية, وإن نعَتَه الكاتب بأنه من زمرة أطفال التغيير!

  إن التواصل مع هموم الشعب يأتي ضمن أولويات الكاتب الذي ينشد الشفافية,ولا يتحقق ذلك إلا بالتعامل الرصين مع قضايا الوطن,وأنْ نَعي بأن القلم خلقه الله حرا فيجب أن  تقوده يد حرة لاتعرف التزويق والتخوين ترسو حيث ترسو كلمة الحق والصدق,وتنحاز لأنّات المظلوم وتتحسّس مطالب الشعب ولاتحيد إلى غيره, فالعبرة ليس بقوة الدعم ولكن بقوة المبدأ الذي تركن إليه.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s