ليلة في مدينة التحرير

    قررت يوم الإعلان عن رئيس مصر الموافق 24يونيو2012المبيت في ميدان التحرير للإطلاع عن قرب عما يحدث عقب الإعلان  عن هوية الرئيس, ذلك الرئيس التاريخي الذي ستكشف عنه لجنة انتخابات الرئاسة المثيرة للجدل, الأمر الذي ملأ البلد إشاعات وتوترا وقلقا وحيرة,واحتشادا منقطع النظير في “مدينة التحرير”.

    كانت أوقات مميزة مثلما هو ميدان التحرير المميز في كثير من أركانه, طفت جميع جوانبه ودونت ملاحظات عجز قلمي عن سردها, ووقفت مع رفاقي على مواقع وبطولات وأحداث يفخر بها الثائر الحر, واستمعت بشغف إلى قصص عديدة أهمها قصة موقعة الجمل ,وفصلت مداخل ومخارج الميدان ومواقع وجولات الصراع مع بلطجية أتباع  النظام المخلوع.

    أعود قليلا إلى الوراء حيث بداية دخول ذلك الميدان المخضب  بدماء الشهداء الزكية, فتشرفت بالدخول عبر مدخل المتحف المصري, وكنت أسابق موجة عظيمة من السائرين خلفي, فأوقفني أمن ثوار الميدان, وأبرزت لهم هوية بلدي الحبيب الإمارات فدققوا في احترامي ورحبوا وأثنوا على شعب الإمارات مع قليل من التحفظ على موقف الحكومة من الثورة المصرية, ولكنهم ختموا اللقاء بالترحم على مؤسس الدولة زايد و حبهم واحترامهم له.

   دخلت الميدان مبتسما وفرحا بهذا الإطراء على شعب الإمارات الحبيب, وودت أن يشمل ذاك السلطة,وأسرعت الخطى نحو الميدان لِسبْر خفاياه, فإذا بي إزاء مسيرة تجوب الميدان وقد رفعت العلم المصري بطول 15 مترا وقد كتبت عليها اللاءات الثلاث : لا للإعلان الدستوري, لا لحل مجلس الشعب , لا للضبطية القضائية  لأفراد المخابرات والعسكر,وأحالني الرقم إلى بلدي حيث إخواننا ال15 المعتقلين فكتمت اللاء الرابعة في قلبي وقلت: لا لاعتقال المواطنين ال15.

   لا أجيد كثيرا فن النداء والصياح بشعارات ثورية مُحمّسة, ولكنني قررت أن أكون مصريا الطباع والهوى فشاركت مئات آلاف الحناجر بصيحات ثورية خالصة الحرية , فألهمتني الحماس , وروجت بداخلي عزيمة الأحرار , ونبهتني لقوة الشعوب المؤمنة بالإرادة , وذلك لا يغنيني عن مشاهد أخرى غمرتني بالابتسامة والضحك أحيانا إزاء بعض الشعارات الطريفة التي تخص الفلول.

   لا أخفيكم أن الشمس لاسعة وإن كنت أغالبها بالطاقية “الكاب” التي ظلّلت رأسي ,وأكاد أجزم أن النفس أشد ما تهوى في ظل هذا المشهد هو الماء البارد ,الأمر الذي     لم يكن صعبا في اقتنائه فالباعة يجوبون الميدان, وأكشاك المرطبات والمياه المعدنية والأكلات الشعبية الفول والكشري والحَبُّ المصري والذرة المشوية على مدار الساعة, وجلسات أخرى مفتوحة لاستقطاب محبي ملابس الأطفال والرجال والنساء زهيدة الثمن ,الأمر الذي أغرى بعض النساء لمصاحبة أزواجهم للتوافد على ساحة ميدان التحرير.

   لن يشْكُل عليك أن تحدد مكان المنصة الرئيسة التي وحّدت كل القوى السياسية ,والتفّ حولها عشرات الآلاف من الثوار يكبرون ويرددون الأغاني الوطنية والشعارات والأهازيج ويستمعون كثيرا لقادة ورموز الثورة وأعضاء مجلس الشعب ومندوبي الثورات العربية, فيلهبون الحماس ويؤكدون على مواقف لابد منها لاستمرار الثورة, ويُجرى الاستفتاء المباشر على البيانات وخارطة الطريق لشعب ميدان التحرير المؤلف من جميع الطوائف والمشارب وإن كان سمته العام إسلاميا.

   ما يعرفه الجميع أننا على موعد مع لجنة انتخابات الرئاسة, الأمر الذي جعلنا نبحث عن مكان يزودنا بآخر المستجدات, وفي ظل الاستشارة لجأنا إلى مجموعة من الخيام القريبة من جامع عمر مكرم والمزودة بتقنيات إعلامية برزت من خلالها شاشة كبيرة تبث جلسة اللجنة مباشرة ,وقفنا فترة تفوق الساعة للاستماع إلى خطبة رئيس اللجنة ثقيلة الظل على من ينتظر نتيجة بحجم  رئيس “أم الدنيا”.

   يعجز قلمي عن تصوير مشهد الثوار وهم يتابعون جلسة اللجنة,الأمر الذي جعل الميدان في صمت عالي الجودة ,وقلق وتوتر وأياد مكزوزة,ودموع حرة تبلل ذلك المشهد ,وبطون خاوية نأت بنفسها عن الأكل والشرب ,وطائفة أخرى تحت الخيام انشغلت بحلقات الذكر والخشوع والابتهال والتبتل إلى الله, وانضاف إلى المشهد بعد إعلان  فوز مرشحهم سجود الشكر ودموع أخرى ولكن بنكهة البهجة والفرح وعناق ورقصات شعبية, وتساقط حبات الحلوى من البنايات المحيطة بالميدان.

   أشارت الساعة إلى موعد صلاة المغرب وبحثت عن أقرب مسجد للصلاة فكان الأمر صعب ,ولم أكن أعي أن ميدان التحرير جامع كبير لكل شيء حتى الصلاة ,ذلك أن صفوف المصلين تتشكل بطريقة تلقائية لتؤلف أكبر مسجد في الهواء الطلق وتلك بعض تجليات مجتمع التحرير.

   لم يغب المشهد السوري عن ميدان الثوار , الأمر الذي أدى إلى إنشاء الخيمة السورية والتي اشتملت على صور ومناظر إجرام النظام السوري الوحشي.وقد امتلأت بالزائرين الذين رفعوا أكف الضراعة لرب السماء بنصرة الشعب السوري ,ثم راحوا يبتاعون مقتنيات تخص الثورة السورية.

   صحيح أن بعض متطوعي الثوار وبخاصة ممن وضعوا شعار حزب الحرية والعدالة والأخوان المسلمين يقومون بمحاولة تنظيف الميدان من مخلفات مئات الآلاف من البشر , ولكن ما يحير المرء اختفاء عاملي الحكومة المختصين بتنظيف مرافق الدولة , الأمر الذي سوِّغ للرئيس أن يجعل النظافة أحد مشروعاته خلال المائة يوم من رئاسته.

   ما يبعث على سعادة العائلات التي تجمعت في ميدان التحرير أن تجد فرصة للتنزه على نهر النيل الرائع ليلا, الأمر الذي جعلهم يجتمعون في حلقات عائلية تخللتها أحاديث الأيام الخوالي من عمر الثورة المصرية, فتحول ممشى نهر النيل من ملتقى العشاق فقط إلى ملتقى العائلات والأصدقاء وأبناء المحافظات المعتصمين في الميدان.

   كما وأن الثورة المصرية كانت مصدر دخل مميز للمطاعم المحيطة بالميدان, فإن أصحاب الشقق المطلة على الميدان كان لهم نصيب مميز, ذلك أن القنوات الفضائية تتسابق لتأجير الشقق الإستراتيجية لتصوير أحداث التحرير, ويتراوح الإيجار اليومي  مابين 2500 إلى 10 آلاف حسب موقع الشقة من ميدان التحرير.

   أصبح ميدان التحرير مشروع ابتكار وإبداع فقد وقفت على سيارات تطوف وتدعوا للتبرع بالدم , وثوار اجتهدوا لتخفيف حر الصيف بجلب اسطوانات تنفث رذاذ الماء البارد على المتظاهرين,ومظليات صغيرة على شكل قبعات مرسوم عليها العلم المصري,ومسيرات تحمل أكفانها للدفاع عن الثورة ,ورسومات وكاريكاتير تبرز أحداث الثورة المصرية اليومية,وأم شهيد رسمت ابنها وظلت تدعوا لعدم نسيان شهداء الثورة,وامرأة أخرى تستجدي الثوار بعدم ترك الميدان مهما تكن الظروف وعند السؤال اتضح أنها بائعة تسعى للحفاظ على زبائنها!

   انتشرت في ربوع الميدان فرق الأمن الوقائي الشعبية, وقد اختلطت تلك الفرق بتلك الحشود لرصد الوضع ونقل الأخبار والقبض على مثيري الشغب, وقد وقفت عن بعد على أسر خمسة أشخاص اتضح أن ثلاثة منهم بلطجية ولصّان تم حجزهم في المكان المخصص لذلك قبل ترحيلهم للجهات المختصة.

   إن اللاءات الثلاث والإعلان عن هوية الرئيس,لم يبقي لي نطاقا لاستكمال رحلة التجوال في تلك المدينة الساحرة ,ذلك أن إعلان فوز مرشح الثورة الرئيس مرسي أدى إلى توافد سيل من البشر نحو الميدان, فامتلأ وكبّر وغنى ورقص مع الجميع ,  والكل واقف ولا فسحة للركون والدّعة في مشاهد سعيدة وصاخبة ومختلطة  المشاعر حتى الفجر,الأمر الذي أصاب مشروع المبيت في مقتل وحال دون تحقيقه.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s