يخطئ من يكرر “قوائم المنع من السفر”

     شاءت الأقدار أن يكرر البشر ذات المشهد الذي فشل فيه من سبقهم بل سقطوا وحوسبوا ولفظتهم إرادة الشعوب,هذا ما دق على خاطري وأنا أطالع  قائمة الممنوعين من السفر في بلدي الإمارات,الأمر الذي أعادني إلى ذكريات استبداد جهاز الأمن المصري عندما كان يفاجئ المواطنين وناشطي الحريات بمنعهم من السفر لأسباب تعلمها السلطة الأمنية فقط , ذلك الذي حول مسار الشعب من مطالبات هامشية إلى ثورة عارمة طالبت برحيل النظام ,ومنعت سفر السيد وأتت بالممنوع  والسجين إلى سدة الحكم.

      الشهر الماضي شهدت مطارات الدولة ومراكز الحدود استنفارا حادا متمثلا بقائمة طويلة من الممنوعين من السفر بعض أعضائها اخترق جدار الصمت وعبر عن رأيه والباقي كتموا الحزن والغيظ ,وكان الأخ الناشط راشد عمران الشامسي من الفريق الأول فكشف عن حجم معاناته على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” والتي جاء فيه: أنه في يوم 26 يونيو الماضي  توجه لأحد مطارات الدولة بغية السفر مع أفراد أسرته خارج البلاد للسياحة, الأمر الذي تمخض عنه إيقافه , واحتجازه مع أسرته في مكتب الجوازات بالمطار لحوالي الساعة قبل أن يتم إبلاغه أن ممنوع من السفر عبر جميع منافذ البلاد، وأنه بأمر من جهاز الأمن غير مسموح له بالمغادرة  , وفي ظل دهشته وحزن أسرته ودموع أطفاله لم يسمح له أن يتواصل مع مسئولي جهاز الأمن لمعرفة أسباب ذلك الحظر ولم يمكّن من استلام وثيقة رسمية تؤكد هذا الإجراء!  

       غالبتني دموع العين وأنا أتصفح ما يبثه أحرار وناشطون منعوا من السفر وسلبت جوازاتهم مثال: الأخوة محمد المنصوري وأحمد المنصور وجمعة الفلاسي ومصبح الرميثي وخليفة النعيمي وراشد الشامسي وغيرهم بلعوا لسانهم ولزموا الصمت ,وأقل ما يقال في هذا المشهد الإنتهاكي أن ذلك الاستبداد لا يصح أن يصدر من بلد مثل الإمارات, ذلك أنه من فاقت قدراته الجميع واحتوى ما لا يقل عن 202 جنسية وثقافة , لا يجدر به أن يقف في منتصف الطريق ليضيق ذرعا برأي وأفكار أبناء جنسية الوطن .

        ما يجعلني أحزن كثيرا على حال  القائمين على أمر السلطة أنهم لم يقرؤوا بروية  التاريخ القريب والمعاصر, لينهلوا منه الحقيقة التي لا تحابي الشك أن انتهاج أسلوب العصي الغليظة ومبدأ النفوذ المطلق في التعاطي مع حقوق الشعب أسلوب عتيق وفاشل, الأمر الذي أثار الشعوب إلى استخدام قواها الفطرية والسلمية لقلب الأحداث ومحاسبة الكبير قبل الصغير.

         التصريحات المتطايرة هنا وهناك في مستهل صحفنا المغلوبة بأن الإمارات دولة القانون وان القانون يسود الجميع , يستدعي بالضرورة  تصريح رسمي آخر يؤكد سيادة القانون عبر استهجان تجاوزات السلطة الأمنية التي تقصف حرية المواطن الإنسان, وتسلبه كرامته وخياره في التنقل والسفر, على أن يتضمن ذاك التصريح الشجاع  أن القانون يمنع اعتقال مواطن أو سحب جنسيته أو حظر سفره إلا بأمر من النائب العام أو حكم قضائي.

          قبل أن نلوم جهاز الأمن بإصداره تلك القرارات المنتهكة للقانون, يجب أن نعاتب السلطة على سماحها لذلك الجهاز الذي شوه ونكس راية الحريات في الإمارات  وآذى القريب والبعيد وشوه الحقائق وأثار الفتن, ورعّب الشعب,وذلك كله دون  حساب أو عقاب أو حتى عتاب!

           إذا حاولنا أن نضع المشهد في إطاره, فسنجد أن جهاز الأمن أصبح يضم سلطات وليس سلطة واحدة ,فهو الذي يعين ويقيل ويقاعد وينقل ويوافق على البعثات الدراسية والصحية, ويمنع من السفر,ويقتحم الأبواب والبيوت الآمنة,وله حضور خفي في مجالات الأنشطة الاقتصادية والعمالية والجوازات والهجرة,والتعليم والصحة والداخلية والسفارات,وله رقم واحد ملزم في الميزانية الاتحادية والمحلية يحددها مستشاروه,وهو الذي يوجه ديوان المحاسبة وليس للديوان حق بالتدقيق على نفقاته السرية,ولا طاقة  لمجلسنا الوطني الاتحادي  المعين أن يشرّح انتهاكاته ,ليس له قانون ينظم عمله وصلاحياته ولا يمتلك لائحة تنفيذية يعتمدها مجلس الوزراء, له بصماته  الخاطفة على أئمة وخطباء المساجد,وله توصياته الملزمة في اختيار السفراء والوكلاء والوزراء , وله صولات وجولات بيّنة في قطاع التعليم وانتقاء المدرسين المواطنين وغيرهم, وله النصيب الأوفر في توثيق القضاة واعتماد تعيينهم في قضاء الدولة, وهو الذي يشرع أبواب الدولة للزائرين والمطرودين وإطلاق حريات الشعب والإعلام, إنه في الحقيقة  نسخة مكررة من جهازي الأمن المصري والتونسي المنحلين.

         إن أكثر ما يهمني في هذا السياق هو الهوان الذي أصاب سلطات  الوطن التشريعية والتنفيذية والقضائية,الأمر الذي قلل من شان تلك السلطات وشجع  السلطة الأمنية  على اقتحام مناطق يجرم ويحرم الدستور نفاذها,وعليه فإنني أزعم أن المشكلة الحقيقة ليست في تطاول السلطة الأمنية ولكن في الهوان الذي أصاب مسئولي سلطات الدولة الثلاث الذين سلموا الراية وانشغلوا بتحصيل غنائم شهرية لن تعفيهم من محاسبة شعبية وربانية.

        لدي حساب في “تويتر والفيس بوك” وأواجه هجوما لا ينقطع من أعضاء جهاز الأمن وهو هجوم أفهمه وأتحمله, ولكن ما لا أطيق استمراره تلك التُّهم المعلبة بأن أحرار وناشطي الوطن يشكلون هما أو خطرا على الأمن الوطني دون برهان أو شواهد تقنع الشعب, وخاطبتهم وما زلت في مقالي هذا ما الذي يجعلكم تعتقلون وتسحبون جنسيات وتخونون وتمنعون من السفر وانتم فاقدي البرهان والحجة؟

         يتمتع جهاز أمن الدولة بميزانية مفتوحة ما غطس منها أعظم بكثير مما ظهر, لا تقل على أقل التقديرات عن المليار درهم  بما تحمله من نفقات متنوعة من رواتب مميزة وسيارات “الجيمس الأسود”يفتخر بها مالكها لاعتقال أبناء الشعب والمصممة بمواصفات خاصة جدا كالزنازين المتنقلة, وغرف خاصة في أماكن مجهولة ومجهزة بأرقى معدات التعذيب والتحقيق كالكراسي المتحركة المجهزة بوسائل تقنية تمارس الضغط النفسي والجسدي والصعق الكهربائي, ومستشارين أجانب يتمتعون بعقود مميزة, وحراس “نيباليين” غير مسلمين,وشرطة الإعلام الإلكتروني لمراقبة مواقع التواصل الاجتماعي,وفريق متخصص في اختراق المواقع الالكترونية الغير مستأنسة, وموازنات ضخمة تدعم مواقع وقنوات فضائية وشراء ذمم بعض الكتاب لمهاجمة العدو الخطأ, ونفقات يومية أخرى لخدمة المعتقلين من تغذية وغرف نوم وصحة ونظافة وتعقيم وترفيه أحيانا,ومعدات تصنت وتصوير وكشافات وغيرها,هذا ما حدثني به أحد الخارجين من المعتقل,وكل ذلك أرهق الميزانيتين الاتحادية والمحلية!

          ولأن جزء من الشعب ودّع زمن الخوف, فأزعم أن السلطة الأمنية بتلك النفقات وكذلك القوائم الممنوعة من السفر لم تفهمنا ,ولم تفهم ما يريده شعب الإمارات الواعي,الأمر الذي يجعل الحكمة تطل على الجميع لتقول: ألا أدلكم أيها المسئولون على شيء إذا فعلتموه وفرتم المال والجهد وعمُرت صحتكم وضمُر قلقكم؟ ارحموا الشعب وطبقوا القانون والدستور.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s