سجنكم لم يعتقل سوى الخوف فينا

يبدوا أن هناك علاقة عكسية مابين الاعتقال والخوف في وطني,ذلك أن السلطة الأمنية المستبدة في الإمارات ما فتئت تعتقل وترعب الشعب,ولكن لتعاستها أن ذاك ألهب الشارع وأخرج الوطن جواهره الحرة رجالا ونساءا وأطفالا على مواقع التواصل الاجتماعي مرددين: لن نخاف ممن لايحترم الشعب والقانون, وهذا مؤشر على حقيقة أن معدل الخوف يبدأ في الانخفاض حينما يصل المستبد إلى قمة الظلم والإستخفاف بالشعب”.

ما أريد ان أقوله أن لغة القوة وتوابعها من اعتقالات وكسر الأقلام وقصف الأفكار استخدمته أنظمة غابرة قديمة وحديثة ,وحسبت أنها حققت الكثير , ولكن العلاقة العكسية المشار إليها أعلاه أنتجت مزيدا من التعاطف الشعبي مع الضعيف في ظل مزيد من القمع والارهاب من القوي ,الأمر الذي منح المظلوم حبا وطوق عنق المستبد كراهية الشعب وسوء الخاتمة.

مما يبعث على الحزن والأسى أن السلطة في وطني لا تتعظ بما يجري من حولها, أو قل إن شئت لا ينقل مستشاروا السلطة حقائق التاريخ بأمانة, الأمر الذي يجعل ذاك المستبد يقول: “انا غير..وأختلف اختلافا كليا وجزئيا عمن سبقني”!! , فيرد القدر عليه: نعم أنت شكلك وحماقتك مختلفة لكن خاتمتك السيئة بالنسبة لي أكيدة.

لا أعلم بلد عربي في ظل ثورات الربيع العربي من يتحدى شعبه المسالم ويقمعه بدم بارد كما تفعل السلطة في الإمارات,ذلك أنه وقعت عيني على 40 معتقلا مواطنا وأنا استهل كتابة هذا المقال,ولا أدري كم يصبح العدد عند خاتمته,وهم  ملح الوطن ورياحينه,يتمتعون بزاد من الأخلاق والطيبة والكرامة, ويشيّدون صرح الوطن بأفكارهم وإبداعاتهم وعلمهم, ضحوا وصبروا فترة من الزمن قاربت الربع قرن عنوانها الاضطهاد والقمع والتنكيل.

أتحدث وأعرف وتعاملت مع عدد لابأس به من المعتقلين, وأشهد بأنهم فخر وعز لكل مواطن, حاربتهم السلطات الأمنية في دراستهم ووظائفهم وأرزاقهم وأولادهم وزوجاتهم,وحاصرت ترشحهم في السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية,وحرمتهم من دخول السلك العسكري أو حتى دواوين الحكام, ومنعت أحدهم أن يكون وزيرا أو وكيلا اوسفيرا أو مديرا أو حتى رئيس قسم,حتى أصبح الفرد المنتمي لتلك الدعوة يعيش في وطنه كالغريب.

 لا يجوز لنا نحن المتفرجون أن نتخلى عن نخبة تمد الوطن بعناصر التطور والابداع ,ذلك ان هؤلاء المعتقلين منهم شيخ الدنيا وشيخ العلم والأكاديمي والطبيب والمهندس والمحامي والقاضي والخبير الاداري والخبير التربوي  والخبير المالي والداعية المربي والعالم الشرعي والرسام ومدير القناة الفضائية  والاعلامي والمفكر الاسلامي والمؤلف والكاتب  والضابط العسكري,فكأن سجانهم جمع نور العلم وعاقبه بظلام وجهل السجن.

ما يعنيني هنا وأنا أتبنى قضية يقبع صاحبها الحر في سجون الاستبداد, أن تلك الهجمة الغير محسوبه من قبل السلطات الأمنية,لن تكرس إلا مزيدا من الخصام الشعبي للسلطة ,ذلك أن كل معتقل يملك مئات من الأحباب والأقارب الذين لن يكفوا عن الدفاع عنهم بشكل مباشر أو غير مباشر.

ما يجب أن تعيه السلطة في الامارات أن الاعتقال سيزيد مساحة المعارضة ولن يكبتها, وسيشعل أمل التغيير, وسيُسوّغ لفكرة الإصلاح, وسيكثر المتابعين, وسيشعل المنازلة مابين الاستبداد والتكبر والعناد وبين إصرار وحماس الشباب على التغيير والدفاع عن حقوقهم الدستورية.

منذ فترة تجاوزت السنة ونحن نؤكد للسلطة أن مسلك الردع والقمع وكتم الأنفاس لا يعد علاجا لصاحب الفكرة الشريفة وإنما تعالج المجرم عليل الضمير, لأن صاحب الفكرة ينشر فكرته وهو مقتنع بها ويسعى دائما لترويجها, والسبيل الأسلم للسلطة أن تاتي بفكرة أكثر جاذبية وتأثيرا.

ما نعلمه أن سيد المستبدين فرعون سلك طريقا محفوفا بالقمع والعنف إزاء فكر موسى عليه السلام,الأمر الذي جعله يستخف شعبه ويجبره على الطاعة“فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين”الزخرف54. فلما اطمأن لذلك قرر أن يلغي عيون الشعب وعقولهم ليرى ويفكر ويقرر وحده “…قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلاسبيل الرشاد”غافر29, فأضحى  يعتقد أنه الآمر الناهي والمحيي المميت والمعز المذل,ولكن الكلمة الصادقة عَبْر موسى النبي والمؤمن الحر الذي آمن به أظهرت له حقيقته وعرّته وكسرت أوهامه,الأمر الذي زاد من غيظه وتوتره وقلقه فاعتقل وشوّه الحقائق وحاصر واتهم بالباطل وقتل وصلب أعداءه وأتباعه الأحرار,حينها فقط وفي ظل تلك التضحيات تدخلت القدرة الإلهية فجاء القرار”فخسفنا به وبداره الأرض…”القصص81, إنها سنة الله تكررت مع صدام والقذافي وزين العابدين وصالح المشوّه ومبارك المذلول وتُصارع الآن طاغية الشام الأسد ,ووعد من الله أن يكررها مع كل من لا يستجيب لنداء الحق والعقل.

نحتاج كثيرا لتعريف الخيانه وأهلها,ذلك أن كثيرا من موظفي السلطة الأمنية تراهم كسحرة فرعون,ضللهم الإعلام الأمني وحسبوا أن كل مواطن يقول كلمة الحق إزاء السلطة ناكر الجميل وخائن ويشق عصى الطاعة وينكر النعمة والمنحة- مع العلم انها من الله وليس  أحد غيره- الأمر الذي جعلهم يدافعون بحرقة لجهلهم بحقيقة المشهد كما كان من سحرة فرعون ,والفرق أن السحرة استجابوا لنداء الضمير وقوة الحق وأخواننا مازالوا تائهين.

ما أود ان أبثه لأحرار الشعب وأنصارهم وأهلهم وأحبابهم ، أن هدفكم نبيل ورايتكم بيضاء وفكركم طاهر وقلوبكم مخلصة فزينوها بالحكمة والصبر,ولا تنجرفوا إلى فكر متسرع أو عنف طائش أو رعونة قاتلة,ذلك لأن الصبر نصف الإيمان والحكمة الخير كله,والتضحية والمحنة شرط لنيل الجائزة,والحذار الانحناء لأعطية أو الاستسلام أو التوقف فهي الحالقة التي تحلق حقوق الشعب وتبدد جهد المعتقلين وتذل الوطن.

أدري أن الاعتقالات والسجن تفرق الأحباب وتحزن الأبناء وتخيف البعض, ولكنها على وجه آخر تعيد كرامة الشعب, وتنير المستقبل,وتزرع طريق الأجيال بقوة الحق وحب الوطن, وتصنع جيلا شريفا كريما لايقبل الاستخاف به,كما أنها تقلق الظالم المستبد وتهز مضجعة, وذروة المشهد أنها تضيف كل يوم مواطنا صالحا حرا أسقط الخوف في صدره, كما أضافت خاتمة المقال معتقلا اخر ليصبح عددهم 41 حرا..إنه شعب الامارات.  

Advertisements

5 thoughts on “سجنكم لم يعتقل سوى الخوف فينا

  1. إن كنت لأشفق فإني والله أشفق على من يكيد لهؤلاء الأحرار ويظلمهم .. فكلا الطرفين في النهاية ميت لا محالة ولكني أتخيل المشهد المهيب يوم العرض وهم يقفون حفاة عراة بين يدي جبار السماوات والأرض الملك الحق العدل حيث لا ظلم في ذلك اليوم أتخيل هؤلاء الظالمين وهم ناكسو رؤوسهم أذلة صاغرين شاحبة وجوههم ترهقهم الذلة عليهم مسحة سوداء فيقتص قاضي السماء منهم وينتصف للمظلومين أهل الإيمان والصلاح والتقوى فحينها لا ينفع الندم .
    فالله الله في أنفسكم يا من غرتكم الحياة الدنيا ويا من اتبعتم الشهوات وظننتم ظن السوء يا من قاتلتم الصالحين ومنعتم دعوة الله بين عباده يا من وقفتم للصالحين كل مرصد واتهمتموهم بالخيانة والعمالة دون وجه حق ويا من حاربتموهم في أرزاقهم ومعيشتهم فعاقبة الظلم وخيمه وهي في الدنيا خزي وفي الآخرة عذاب أليم .. واقرؤوا إن شئتم قوله سبحانه وتعالى :
    ‫( يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ )
    ‫ففي يوم الحساب لا ينتفع الكافرون والظالمون الذين تعدَّوا حدود الله بما يقدِّمونه من عذر , ولهم الطرد من رحمة الله, ولهم الدار السيئة في الآخرة, وهي النار.
    اللهم احفظ الامارات من كل سوء واجعلها بلدا آمنا مطمئنا رخاء سخاء وسائر بلاد المسلمين

  2. كلام معبر عن الواقع الحالي في الامارات لكن الشي الغير مفهوم هو انقسام اهل الامارات بين مؤيد ومعارض لهذا الامر وهو شي محزن للغايه … شخصيا اتعاطف مع المعتقلين وذويهم لان لا يوجد سبب حقيقي لهذا الاعتقال فكل انسان من حقه التعبير عن آرائه فلماذا هذا التعسف من السلطات ..

  3. مقال رائع وواع ليتهم يقرؤونه فيعوووون حقيقة ماهم فيه,,فضاحي ومن معه يجرون الوطن جرا إلى الفتن
    يعتقد أنه يحاول الحفاظ على الأمارات وآمنها ولايعلم المسكين أنه يحاول تفجير آمن الإمارات بهذه الاعتقالات التي لا نعلم سبب مقنع لزج رجال صالحين لم نرى منهم شرا ,,أم أن مسالة {الأخوان المسلمين} أصبحت هاااجس لديه جعلته يتخيل أن كل مصلح وملتحي من أتباع الاخوان يحاول السيطره على الخليج

  4. مقال رائع لكن الآية الكريمة {فخسفنا به وبداره الأرض} تخص قارون وليس فرعون، وهذا للتصحيح دينياً، لكن سياسياً لن تختلف الصورة كثيراً فهم يستخدمون مختلف صور الطغيان بالبطش بالقوة الغاشمة، والعسف بالقوانين والقرارات، والطغيان بالمال، والتضليل الإعلامي، ومسخ الشخصيات بالتعليم التافه، وإذلال الناس بالتضييق عليهم أو حرمانهم من مصادر الرزق، وحتى خطب الجمعة التي يكتنها مشايخ أجهزة “اللا الأمن” ولا تعرف الله حق معرفته ولا تتقيه حق تقاته. وكما يذوب الجبابرة أجساد معارضيهم في الأسيد، فإنهم يذوبون أرواح شعوبهم وعقولهم في شعارات ساذجة مثل “كلنا خليفة” تختزل الكل في واحد كفرعون أو قارون، ولا تحترم الاختلاف الذي هو أساس الإبداع. ولذلك لن يبدعوا أبدا ولن تجد منهم إلا ما وصفته من غباء وعمى حتى يلقوا مصير من سبقهم ولم يعتبروا به. وبينما يبذلون كل ما في وسعهم لإطفاء هذا النور الذي أنعم الله به على بعض المثقفين المخلصين، فإنهم لا يتمعر لهم وجه ولا تظهر لهم كرامة في مواجهة الإذلال الخارجي، وحسبهم ما قالته مادونا فيهم!
    الحمد لله الذي جعل في الإمارات من يكتب هذا الكلام، وبارك الله في إيمانكم.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s