تستطيع الخروج من أعمق بئر..!

يحكى أن حمارا وقع في بئر عميقة فنادى على صاحبه طالبا النجدة، أتى إليه صاحبه فلما رآه في غيابة الجبّ أعرض ونأى بجانبه، وقرر أن يدع الحمار وشأنه فهو حمار عجوز وعلى كل حال فالبئر يحتاج إلى من يدفنه. فنادى جيرانه وبدؤوا يحثون التراب والأوساخ على الحمار المنكوب وهو ينهق ويصرخ علّ أحدا يرحمه، ولكن بعد فترة من الزمن توقف النهيق وأصبح البئر في صمت مريب، وبعد التحري اكتشفوا أنهم كلما أهالوا التراب عليه ينتفض بسرعة ويسقط التراب والوسخ تحته وبهذا يأخذ خطوة نحو القمة عبر الطبقة الجديدة من التراب والوسخ حتى وصل إلى الأعلى ونجا! حينها فقط شك صاحبنا أن يكون حماره غبيا!

وأنت تمارس العمل العام أو حتى تحاول أن تنير بفكرك مساحة مظلمة فلا شك أنك ستواجه سيلاً هائلا من تحديات لا تنتهي وردّات فعل مشوشة بألفاظ التخوين والتضليل والتثبيط. وقد تكون مشحونة بلطخات من سوء الأدب. فلا تعبأ إن كنت في المرمى ولكن أدعوك فقط أن تنظم ملعبك وتحصن مرماك بالحق والأمل. واحذر الانسحاب من الجولة الأولى فهو ضرر أكثر منه نفع. واجتنب اليأس فإنك تخطو برفق وإن كانت خطواتك بطيئة,وتنمو بحب وإن كان عودك غضا. فإن الحمار الغبي كما يتهمه البعض استمرت خطواته البطيئة الصعبة نحو القمة حتى نالها.

أدري أن ما تتعرض له الفكرة أو الإبداع أو الصناعة الجديدة من التحديات تشتت الجهد والفكر، ولكن الذي لا ريب فيه أن من آمن بفكرته ورعاها واحتضنها بصبر وحكمة ومرونة وحصّنها بالحجة إزاء خصومها فإن فكرته تنمو دون أن يبصر نموها في عقول وقلوب الناس وفي منأى عن الأضواء والشهرة. وهي كالبذرة التي تحتضنها الأرض فترة من الزمن بعيدا عن الضوء، فإذا خرجت للضوء اخضرت وأينعت وانتفع الخلق بها.

في هذا الصدد أذكر بعضا من أصحاب الأفكار في عالمنا العربي والعالمي بدؤوا بصمت وبحكمة وصبر، وكلما استطرد خصومهم بتحليلات تخيف الجمهور وتثير الريبة كلما تسارعت خطواتهم وتوسعت جوانب خبرتهم وحكمتهم فزاد الأتباع ومحبو هذه الفكرة. وخير مثال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلقد بدأت فكرته بصنوف من التحديات وانتهت بإسلام جزيرة العرب، وعالم الدين بائع الأمراء العز بن عبدالسلام والإمامان الغزالي وابن تيمية، وعالم البصريات جابر بن حيان والمفكر ابن رشد والعالم ابن سينا، والفيلسوف الإغريقي أرسطو وعالم الجاذبية إسحاق نيوتن، وعالم النسبية أينشتاين، والمناضل مارتن لوثر ضد التفرقة العنصرية في أميركا، والزعيم الهندي غاندي ضد الاستبداد، والزعيم المعاصر نيلسون مانديلا ضد التمييز العنصري وبل جتس وبوفيت أغنى رجال العالم.

إن لأصحاب الفكرة المبدعة أدوات خلاقة ينازلون بها مواطن الجهل والخوف. وقد سادت أدواتهم الناعمة على كل أداة وحسبي أن أعدد بعضا منها، وهي أدوات التجرد والإخلاص ورجاحة العقل والمجاهدة والصبر والعلم والتجربة والخبرة والرفق ولين الجانب مع الأصدقاء والخصوم والاستشارة والعدل والتثبت. ولا أخفي أن أمام أصحابنا المبدعين أعداء شرسين مثل أسقام الهوى والجهل والتعصب الأعمى لعرق أو مذهب أو قبيلة أو نظام. والشدة والغلظة والتسرع والتكبر والغرور والفردية والمركزية والاستبداد في اتخاذ القرار.

الفكرة مثل البالونة يرعاها صاحبها بالنفخ والجهد حتى تكبر إلى غايتها، والذي يجعل لها ضجة وتأثيرا يفوق حجمها خصوم تلك الفكرة. ولسوء جهلهم بحقيقتها يتعجلون نموها الطبيعي وحركتها المحدودة فيفجرون تلك البالونة لتحدث ضجة؛ فتنتشر أسرع ويتمسك بها المريد أكثر، ويلتفت إليها البعيد ويتعاطف معها الأحرار، وتبسط نفوذها على القلوب بشكل أوسع، وتستخدم معاني التظلم لتوحد الأحباب وتستعطف الناس فتصير الفكرة عزيمة وهمة، وتصير العزيمة إلى حركة دائبة، وتصير الحركة إلى أزمة لخصوم تلك الفكرة. ولو استشارني خصوم الفكرة لتفرغت للمشورة وأبديت النصيحة بأن مقاومة الفكرة لا تتم إلا بالفكرة الأكثر إبداعا وحرية والأصوب منهجا والأعمق أثراً. وما دون ذلك فهو لهْوٌ لا يزيد المشهد إلا توترا ويعد منحة ثمينة يقدمها الخصم لانتشار فكرة لا يهواها.

إن من المفارقات العجيبة للفكرة أنها لا ترتبط بمستوى المعيشة أو بالحالة الاجتماعية أو بنوع الجنس والجنسية فهي تتعلق بقلب وعقل الغني والفقير المرأة والرجل المراهق والعجوز؛ ولذا فإن الخصوم الذين يستخدمون متع الحياة وملذات الدنيا لاستمالة أصحاب الفكرة ومريديهم فهم كمن يسقي العطشى من ماء البحر، فسيبذلون الكثير دون أن يحققوا غايتهم؛ لأن الفكرة ستبقى في قلب صاحبها وإن تمتع بتلك الملذات. وستنشط معاني الفكرة كلما واجه المؤمن بها ظلما ما أو إحساسا بالإقصاء، فلا بديل إذن عن دواء العدالة والفكرة البديلة.

خلاصته من المفيد أن تتبنى الشخصية الحكيمة التي تفكر باتزان وتتحرك باتزان وتقود الانفعال والحماس بروح الفكر والعقل, وبحكمتك وصبرك وفهمك العالي تستطيع أن تخرج منتصرا إزاء أكبر تحدٍّ تواجهه، ولكن فقط أدعوك ألا تستسلم أو تقف في منتصف الطريق، وإن تعثرت أحيانا فتزود من قوة فكرتك ومبادئها السامية، وكما أن الحمار المتهم بالغباء نفض الأوساخ جانبا ليجعلها جزءا من العلاج وليست المشكلة,فما بالك أيها الإنسان الحر يا من تمتلك أدوات جبارة يعلوها عقل لا يهزم فاستخدمها حتى تبهرك النتائج، وانتق وانفض ما يقوله الناس عنك ولا تعبأ بسواده. واحترم وطور فكرتك وركز خطواتك نحو القمة لتجد نفسك يوما ما تعيش أجواءها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s