الحرية في القرآن كلمات ومفاهيم

وقعت على  تغريدة لدكتور إماراتي محسوب على الفكر الليبرالي ,وأحسبه كان يعلق على ندوة “الدين والدولة في الوطن العربي” والتي عقدت في تونس,حيث دون في تغريدته: “إن الحرية مفهوم غربي وليبرالي بامتياز وليس مفهوم إسلامي ,ويتساءل كيف غابت الحرية عن القرآن؟,وأظنه قد تعجل في الحكم,وجانبه الصواب في فهم كتاب الله الكريم.

ما أعتقده إزاء كتاب الله سبحانه بأن الشخصين الدكتور وكاتب المقال غير مؤهلين لتقييم أو الحكم بخلو القرآن من كلمة الحرية ومعانيها ,ليس لضحالة الفكر ولكن لعلو وعظمة وغزارة القرآن, فهو كلام الله المنزّل وهو الإعجاز الذي أرهق أمة البلاغة والفصاحة ,وعجزت إزاءه قامات علمية وفكرية عالمية.

الحرية كلمة سامية وهي ذروة الإبداع والشرارة الحقيقية لانطلاقة الإنسان ,وهي التحرر من القيود التي تكبل طاقات الفرد واختياراته سواء كانت قيودا مادية أو معنوية،وأعذب ما فيها هو التخلص من العبودية لشخص أو جماعة أو للذات,  وهي الإنعتاق من الضغوط المفروضة على المرء لتنفيذ غرض ما، والتحرر من الإجبار والإكراه.

وجاء تعريف الحرية في الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان الصادر سنة 1789م في المادة الرابعة منه “الحرية هي القدرة على عمل كل ما لا يضر بالغير” وهذا التعريف تقترب منه كل التعاريف للحرية مثل تعريف المفكر الغربي “ريفيرو” بقوله: “سلطة تقرير المصير بالذات بحيث يختار المرء بنفسه سلوكه الشخصي”.

قد يكون من فضول الأمر أن أبيّن أن القرآن الكريم هو أول من نادى ورسم مسار الحرية الإنسانية,وأشار إليها كلمة ومعنى,الأمر الذي جعل الحرية ومفاهيمها وثيقة الصلة برضا الله وغفرانه للذنب,ذلك الذي جعل حد القتل بالخطأ تحرير الإنسان من العبودية , وغفران ذنب الذين يظاهرون من نسائهم أيضا تحرير واطلاق سراح عبد مهزوم,وكفارة عقد اليمين منح إنسان الحرية وقبلة الحياة,ولقد استخدم القرآن مشتقات كلمة الحرية بقوله سبحانه :”وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا خطأ ومن قتل  مؤمنا خطأ “فتحرير” رقبة مؤمنة..“النساء 93, وقال سبحانه:”لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو “تحرير” رقبة..” المائدة 89 ,وقال سبحانه ” والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا “فتحرير” رقبة من قبل أن يتماسا”المجادلة 3 ,وقال سبحانه:”إذ قالت إمرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني “محررا”..“آل عمران35، وهذا دليل وشاهد جلي لاستخدام القرآن الكريم لكلمة الحرية ومشتقاتها ليؤكد على منهج القرآن الأصيل في الذود عن حرية الإنسان ونقله من جميع ألوان العبودية إلى عبودية رب العالمين التي إذا ركن إليها المرء أضحى أكرم وأعظم حر وغنم عين الحرية.

مما يغني كثيرا من الجدل في قضايا الحريات ودور القرآن في ذلك هو الاطلاع على واقع الأمم لحظة نزول القرآن,الأمرالذي يجعلنا  نستدعي مشاهد العبودية التي تعرض لها الإنسان في تلك الحقبة من الزمن سواء في الامبراطورية الفارسية أو الرومانية أوعند عرب الجاهلية ,وكيف تحدى القرآن عصره للدفاع عن حرية الإنسان كإنسان دون النظر لدينه أوعرقه الأمر الذي منحه  قصب السبق في مشهد الحريات وحقوق الإنسان.

لا مجال للجدال والسؤال كذلك حول حقيقة تطرق القرآن إلى مفاهيم ومعاني الحريات الشخصية والإجتماعية والعقدية ,فلقد أشار إلى حرية العقيدة فقال سبحانه :”لاإكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ“, والآية الأخرى”.. أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ “يونس99,وأشار إلى الحرية الشخصية فقال سبحانه: “وهديناه النجدين“البلد 10أي طريقى الخير والشر, وقال كذلك “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر..”, فالإنسان له حرية الإختيار بين عبادة خالقه أوعبادة غيره ويتحمل تبعات ذلك،والإنسان مخير في ذلك فقال سبحانه:”لست عليهم بمسيطر” الغاشية22,وغيرها من الآيات التي تفتح أفق العقل والاختيار وتنأى عن السيطرة والإجبار,وذلك الذي يمثل قمة الحرية الفردية أو ما تسمى بالحرية المدنية.

 في ظل ما تم التطرق اليه يتضح أن القرآن الرافعة الحقيقية لمعاني ومصطلحات الحرية, وأنه سبق الجميع في تبني مبادئ الحريات والعدالة والمساواة,الأمر الذي جعل الكثير من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة الإسلامية التطرق إلى الحريات ومعانيها,ولقد شكلت موعظة عمر بن الخطاب الشهيرة للدفاع عن مظلمة القبطي المصري”متى استعبدتكم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم “أحرار“,ردا جليا على تبني الحرية كلمة وفكرا,وأفاض فيها علماء مثل ابن قيم وبن تيمية والقرطبي وابن منظور”ت1311م” حيث ذكر في شرح معاني كلمة الحرية:”والحُر بالضم: نقيض العبد والجمع أحرار وحرار”,وهذه المفاهيم تمت قبل ولادة مفهوم الليبرالية وحتى الحضارة الغربية.

إن مَثَل بعض الكتاب كمن ينفي عن شخص خُلق الكرَم والجُود ويتهمه بالشح والبخل ليس لفقر خلقه وإنما لأنه لم يسمي نفسه كريم!الأمر الذي يجعلهم يتخلون عن الحقائق والشواهد التي تدل على جوده وكرمه,وحينها فقط لايمكن أن تقنع أحدهم على التخلى عن حكمه على جهة ما,لأنه لم يبدأ بعد في فهم أو سبْر الشواهد وإنما هو فقط يسقط فكره على الغير.

أدري أن مفهوم الحريات عند الليبراليين تختلف عنه عند الإسلاميين فهم يركزون على حريات الفرد المستقاة من مبدأ الفصل مابين الدين والدولة”العلمانية” وله مايبرره في الدين المسيحي نتيجة للصراع المرير مع الكنيسه بمفهومها الثيوقراطي”حكم رجال الدين”,ولكن لا داعي لإسقاط هذا المفهوم على الإسلام لأنه  لم يتعرض لذاك الصراع ولا يتبنى المفهوم الثيوقراطي أصلا.

خلاصته أن الإسلاميين والليبراليين يلتقون في أن الحريات واجبة النفاذ والصيانه والحماية من مختلف أطياف الإنتهاكات ,وأن الفرد له الحرية في اختيار دينه وعبادته وله الحرية كذلك في أن يلتزم بتعاليم دينه,لكنهم يفترقون في مدى أحقية الدين في أن يمتد نفوذه للدولة,وهل هناك حاجة من الإشارة إليه في الدستور كمصدر أساسي للتشريع,الأمر الذي يجعله صراع ما بين فكرين لا أظنهما يلتقيان يوما ما,والذي يحتم على الطرفين التحلي بمزيد من الحرية والبعد عن الاستبداد الفكري واحترام إرادة الشعوب,وبالطبع يجب أن ندْرُس القرآن جيدا لنعترف بدوره المشهود في شحن رصيد الحرية وصيانتها.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s