عقولنا الزاحفة

لا ينكر أحد أن العقل البشري طاقة جبارة تضم مئة مليار خلية عصبية,وقدرات كامنه أخرى غير مكتشفه,ويحتوي على ثلاثة عقول تساهم كل منها في تأهيل شخصية صاحبها,وهي:العقل المختص بالتفكير والاستنباط  “اللحائي”,والعقل المختص بحفظ الذاكرة والمشاعر “الوسطي”,والعقل الأكثر بدائية والمتحكم في السلوك الغريزي” الزاحف” وهذا العقل الذي يستخدمه معظمنا.

التركيز على ذلك الجزء من العقل أدى إلى مزيد من الفكر التقليدي المنغلق الذي يحاكي طبيعة الدواب الزاحفة,التي من أبرز صفاتها الحركة البطيئة والإستجابة المتأخرة للمثير الخارجي,الأمر يجعلنا متلقّين غير مؤثّرين.

ما يعانيه البعض منا هو تواضع القدرة على الاستخدام الأمثل لتلك العقول الثلاثة التي يحتاجها المرء في التعامل مع ما يواجهه من مشاهد وقضايا شخصية ووطنية واجتماعية وسياسية,ذلك أن اختزال العقول الثلاثة في عقل واحد يؤدي إلى اختلال جليّ في قدراتنا وشخصياتنا ومشاعرنا بل مستقبلنا.

ما يجرى  في الإمارات من أوضاع خطيرة بحق الإنسان المواطن,يشير إلى أن أغلب المتفرجين لم ينجحوا بعد في التعاطي مع إبداعات الأجزاء الأخرى من عقولهم,حيث التحليل والتفكر ومذاكرة التاريخ,الأمر الذي حرمهم من  فهم الأحداث بشكل واعي.

 العقل الزاحف الذي خوّلناه أغلب قضايانا استبدّ بنا وألغى التفكير والإبداع والبصيرة,فأصبحنا بتلك المعتقدات البالية والخاطئة أحيانا, نجتهد في تحليل الأحداث والقضايا المصيرية عبر سياسة الخوف والسكوت عليها,ذلك العقل الذي أوحى إلينا أن هذه السياسة هي عين الحكمة ورأس الصواب والمنهج السليم للتدرج والبعد عن مواطن الفتن,الأمر الذي أغرى المستبد الآخر على أن يحقن كيده السئ بمزيد من الانتهاك لحقوق البشر والخرق للدستور والقانون.

من أراد أن يختبر رجاحة عقله,فلينظر إلى طريقة تعاطيعه مع قضايا شعبه؟هل هو سلبي أم ايجابي؟ هل يرتعد ويرتعش من المحاولة أم يتقدم نحو المقاومة؟هل هو يدعم قانون الوطن أم أخطاء السلطة؟هل يراجع الأحداث في ضوء التفكر والتأمل والقرائن والاستنباط ليقف بحزم إزاء كل خطأ وخطيئة أم يسبّح ويسوّق قرارات واهية أو يبلعها بسذاجه؟.

ما نستقيه من الذي نقرؤه ونشاهده كل يوم أن الشعوب والأمم التي أغفلت عقلها واتبعت معتقداتها الموروثة الخاطئة دون عرضها على المبادئ السليمة والمستجدات والمتغيرات, واجهت مِحن وعانت الكثير بسبب الصمت,وهذا الذي سنواجهه إن لم نعي الدرس.

أشدّ اختبار يواجهه الشعب حاليا هي قضية اعتقال مواطنين منذ شهور عدة,ورميهم  بالخيانه والعمالة والنفاق,وتُهم أخرى تم سحبها مثل التسلح والاحتيال,وامتناع النائب العام عن الافراج عنهم ولو بكفاله,وحرمانهم من الالتقاء بالأهل والمحامي,وتعرضهم للتعذيب,ذلك الذي يدفعنا إلى إعادة استخدام عقولنا في ظل هذه التجليات, لنسترجع الموروث الصافي من العادات والتقاليد والدين ونحْفل بالذاكرة وأسس التفكير والاستنباط  السليم والمشاعر الصادقة,التي تنير البصيرة وتلهم الصواب.

عقولنا الثلاثة خلقها الله للعطاء والدعم ولا تنحني أبدا للظلم,ذلك لأن الله سبحانه كذلك خلقها حرة مبدعة تجانب الباطل وتنصر الحق,ولو أفسحنا لها الخيال في ظل توفر  المعلومات والقرائن,لأشغلتنا بأفكار وأدوات كثيرة تدفع للعدل والإنصاف.

من عجائب العقل البشري أنه يتعرض لأربع موجات هي: “بيتا” التي تعمل في حالة النشاط والانفعال ,و”ألفا” التي تعمل في حالة الاسترخاء, و”ثيتا” تعمل في حالة الغفوة والنعاس,و”دلتا”في حالة النوم الغطيط,ذلك الذي يحفّني للتساءل هل ما زلنا نغطّ مع “دلتا”؟ أم أن هناك صحوة شعبية تسير بنا إلى حالة “ألفا” الهادئة التي تبهرك بتفكيرها وإدراكها المتزن ومن ثم  تحركها السليم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s