دهاليز الظلام أم دهاليز الإنقلاب

لم أَجِد أحمق من نظام الإمارات، ولَم أَجِد أرعن من خليته الانقلابية في التعامل مع فكر لم يجلب إلى الإمارات سوى الخير والسلام ،وكان يتعامل مع قيادته السياسية والحكام كآباء ورموز لا يجوز التطاول عليهم، ثم تأتي الخلايا الأمنية لتهدم محاسن ذاك الزمان.

إلتقينا مع محمد بن زايد عام ١٩٩٠م كأعضاء للإتحاد الوطني لطلبة جامعة الإمارات وبدا من الحوار معه أنه يضمر شرا لأبناء التيار الإسلامي ولكنه ينتظر الفرصة ليسحق الخصم ، وقد بدأت الفرصة في عام ١٩٩٣ حينما زاد من نفوذه عبر تقلده منصب رئيس القوات المسلحة الإتحادية ، ثم كانت لحظة الصفر عقب انقلاب قابوس سلطان عمان عام ١٩٩٤م على تنظيم الأخوان المسلمين واعتقال ١٢٦ عضوا من قياداته، مما سهل إقناع قيادات الدولة بإغلاق مقرات حركة الإصلاح الإماراتية وعسكرة  مجالس إدارات أذرعها الثقافية والخيرية والاجتماعية والتجارية وغيرها واعتقال وطرد منظريها من الإسلاميين والمشايخ العرب،وتأجيل اعتقال قياداتها المواطنة حتى حين.

أستعيد ذكريات ذلك وعيني على الفيلم الوثائقي الأمني دهاليز الظلام والذي أضحى يروج  لفترة ازدهار الفكر الأخواني وحرية مجتمع الإمارات ، وهو من حيث لا يشعر يرسل برسائل إيجابية تصب لصالح التيار الإسلامي حينما كان يتمتع مجتمع الإمارات بهامش من الحرية وبسلام عكس ما يمثله المشهد الحالي المحتقن.

لم يستطع متحدثي الفيلم الوثائقي سواء التائبين إلى حضن الوطن كما ينعتهم الأمن الإماراتي أو الإسلاميين السابقين أو خصوم التيار الإسلامي من الاشتراكيين والشيوعيين والعلمانيين والجاميين ، لم يستطعوا أن يقنعوا المشاهد بأن حركة الإصلاح حركة عنف واستبداد وتسلط وخيانة وعمالة أو أنها انتهكت قانونا أو مادة معلومة من الدستور ، وإنما داروا في فلك حالات  ثلاث يرثى لها: حالة من بث روايات وتجارب إصلاحية سابقة يقوم بها بعض الأفراد ممن اهتدوا إلى الرشد والصواب !!فانقلبوا على أخوانهم الإصلاحيين فاستخدمهم النظام للنيل من خصومه وركنوا إلى النظام لنيل رضى المسئول الأمني وإيثارالسلامة ، وحالة ثانية إسلاميون سابقون من غير الإصلاحيين انسلخوا أولا عن فكرتهم ثم تحولوا أعداء وبجدارة للفكرة الإسلامية كعربون شكر لتمتعهم بمناصب قيادية أو وزارية أو تمتعوا بمكافأة التجنيس،وحالة أخرى وهم خصوم التيار الإسلامي من العلمانيين والاشتراكيين والجاميين فشلوا في النيل من أبناء التيار الإسلامي مجتمعيا في بيئة حرة منقضية فراحوا ينالون منهم الآن في بيئة استبدادية جائرة.

من المعلوم لدى مسئولي دولة الإمارات أن الإصلاح الإسلامية منذ نشأتها من سبعينيات القرن الماضي وهي تعمل وفق قوانين دولة الإمارات ،ونشرت فكرها بشفافية عبر تعاملها العلني مع مجتمعها وشارك كبار وصغار المسئولين في أنشطتها الدينية والثقافية والتربوية والاجتماعية والإعلامية والترفيهية.

نقف هنا لنقول أين المشكلة في أن يتداعى مجموعة من المواطنين على حزب أو جمعية ثقافية أو دينية أو حقوقية أو نقابة مهنية أو شركة تجارية خاصة ،ثم يضعون لهم أهدافا ورؤية وميثاق ينظم شئون علاقاتهم وَمِمَّا لا يخالف قانونا أو دستورا قائما  مكتوبا، وفِي سياق ذلك أليس من حق تلك الكيانات والتجمعات المرخصة والمنضوية تحت القانون أن تُمارس حقها الإنساني والدستوري فتكون لها همومها وأسرارها ووسائلها الخاصة كالذي يحدث وتحميه قوانين الدول والمجتمعات الحرة التي تحترم لا تستعبد الإنسان .

كذلك حركة الإصلاح الإسلامية قدمت مشروعها ورسالتها لدى مسئولي الدولة  -السلف – قبل أربعين عاما فأقروها وانتصروا لها  وأصدروا باسمها قرارات رسمية تدعم وجودها ، نعم الحركة تقتفي فكر جماعة الأخوان المسلمين وتنهل من تجربتهم كالأسر التربوية والتنظيم الحركي والسرية والبيعة،ذلك لأن جماعة الأخوان المسلمين كان مرحبا بقيادتها ولم تنعت البتة بالإرهاب قبل تسلط الأجهزة الأمنية على مرافق الدولة ، وفِي الوقت ذاته لم تكن أنشطة الحركة تخالف قوانين وعادات وتقاليد المجتمع الذي تنتمي إليه ، ولا تعرّض المجتمع لفتنة أوتمارس خيانة أو عمالة أو سجلت ضدها حالات عنف أو تكفير منذ نشأتها، ومازلنا خلال ٦ سنوات من التجريم والاستبداد والظلم والانتهاك ننتظر من نظام الإمارات الحالي -الخلف- مايخالف ذلك.

ومن الغريب أن ينعت بعد المتحدثين في دهاليز الظلام الحركة وأعضاءها بالكذب والتكفير واختلاس الجمعيات الخيرية والخداع والنفاق والرغبة في إسقاط الدولة الوطنية، ومن قلة حيلتهم ونفاذ رصيد صدقهم أنهم يحاكمون البشر من وحي تنظيرهم  وخيالهم ، ولم يأتوا بحالة واحدة تعزز تجلياتهم، وبالرغم من أن تلك المزاعم لم يتبناها حتى قضاء الإمارات المسيس أثناء محاكمات ٢٠١٣م فكيف يتبناها أكاديميون كنّا نظن بهم خيرا.  


ومن المتناقضات أن تتهم الحركة بأنها تساهم في بعث الخلافة الاسلامية وتطبيق الحاكمية لله، وتقسيم الدول إلى دار إيمان ودار كفر، ومالعيب في نقل حقيقة علمية تنبأ بها النبي صلى الله عليه وسلم  بعودة الخلافة كما تنبأ بالملك الجبري وهذا عصره ، وحقيقة أخرى أيضا بوجود مجتمع مسلم ومجتمع كافر وهو تحصيل حاصل يعكس واقع الحال والذي بسببه يتم حرمان تركيا من عضوية الإتحاد الأوروبي ، ولا أعتقد أن الحاكمية التي تعني الالتزام التام بالمعايير والقواعد الاسلامية المرسلة بأمر خالق البشرية في إدارة وضبط حكم بلد مسلم تزعج الشعوب الإسلامية، ولكنها من المؤكد ألا تتماهى مع فكر علماني معادي للفكر الإسلامي يتحدث في الفيلم ،وعليه فإنا لا نلتفت إلى من يتهم الآخرين باسم أفكار يستوردها خارج نطاق ديننا ومجتمعنا.

ومن جهة أخرى فدعوة الإصلاح  خرجت من رحم مجتمع الإمارات ونمت وازدهرت في بيئة الحرية والعدالة أنذاك دون انتهاك لقانون أو عرف البلد ، فمارست مبادئ الشورى عبر انتخاب قياداتها الداخلية ورشحت أعضاءها في انتخابات جمعيات النفع العام والنقابات المهنية والنوادي الرياضية والجمعيات الخيرية والجمعيات التعاونية واتحادات الطلبة داخل وخارج الدولة فاكتسحت الصناديق وفازت باقتدار ،ومما يرفع من رصيدها أنها في ظل الاستبداد العسكري وغياب مفاهيم الحرية والعدالة تعرضت للقمع والتنكيل.

عيب عَلى مجموعه من المفكرين والأساتذة الجامعيين وتربويين ورجال أعمال وموظفين تربويين سواء كانوا تائبين كما تسميهم الأجهزة الأمنية أم خصوم ، عيب عليهم وليس من المروءة في شئ أن يواجهوا معتقلا أو معذبا أو مهاجرا وهم يعلمون علم اليقين أن حركة الإصلاح التي أحسنت تربيتهم حركة سلمية لم تنل حقها في الدفاع عن نفسها ، في مخالفة صريحة لدستور وقانون الإمارات.


لماذا فيلم أمني  للمرة الثانية؟


يبدوا أن المسلسل الرمضاني خيانة وطن في العام المنصرم لم يحقق غايته، ذلك لأنه تلقى كمّا هائلا من الاستهجان الشعبي وأضحى طوقا في عنق الخلية الانقلابية ، وحسب علمنا فقد رفعت من رصيد كره شعب الإمارات للانقلابي محمد بن زايد وزمرته ، مما ولد لدى الانقلابيين الرغبة في إنتاج فيلما آخر يبقي خطر العدو الوهمي الأخوان المسلمين ،لأسباب عدة منها الرغبة في إقناع الشارع الإماراتي بصواب الخطوات التي اتخذتها الإمارات إزاء المعارضين لسياساتها من الإسلاميين وغيرهم ، ثم لاستيعاب الفشل الحاد لسياسات النظام في الداخل والخارج ، والتي جلبت على الإمارات مزيدا من الويل وخسائر في السمعة والأرواح والأموال.


مالذي حققه الفيلم الوثائقي دهاليز الظلام؟



من المخزي للخلية الانقلابية في الإمارات وللمرة الثانية أنها لم تحقق غايتها من هذه الرواية الأمنية ، سوى أنهم نكؤوا جراح الشعب وضميره وذكروا شعوب العرب بدور عسكر الإمارات الإجرامي حيال رغبات الشعوب العربية، كما أكدوا أن تصريحات المسئولين الإماراتيين بانتهاء حقبة الأخوان بعد مذبحة رابعة بدت فشل وسراب وضرب من الخيال!


مالذي يفعله أحرار الإمارات والعرب للرد على دهاليز الظلام؟


نظام الإمارات الانقلابي أضحى أضعف مما يتصوره البعض ، فلقد فشل في علاج قضاياه القومية والاستراتيجية من تركيبة سكانية وهوية واقتصاد وحريات وقضاء ، ثم أضاف إلى البراكين حمما عبر انقلابه على قيادته السياسية فأضحى رئيس الدولة تحت الإقامة الجبرية كالذي يحدث في مصر تماما،فضلا عن مشاهد الاستبداد والظلم والعمالة للأجنبي والعدو الصهيوني والتخلي عن الدفاع عن تراب الوطن وتبديد ثروات الشعب بعقود وصفقات وهمية ودعم انقلابات عربيه وإسلامية وإرسال شباب الدولة دون تفويض شعبي إلي مهالكهم لتنفيذ أجندة خارجية تسعى لتقسيم اليمن الشقيق الموحد ، ثم الآن يعيش أزمة مالية خانقة تبدت عبر زيادة المكوس والضرائب المقنّعة “الرسوم الحكومية” فضلا عن رفع أسعار خدمات استراتيجية مثل الوقود وغيرها والأهم من ذلك ما يعيشه أهلنا هناك من اعتقالات وظلم واستبداد واستعباد الجسد والعقل الإنساني.

في ظل هذا التيه الإماراتي فمن المؤمل علينا شعبيا وقوميا ألا ننشغل بالتافه -دهاليز الظلام – ونتجاهل  قضايا بتلك الحجم ،ذلك لأنه من المهم أن نركز جهدنا على مقارعة الاستبداد ونكشف زيفه فإما أن تؤوب سلطات الإمارات إلى رشدها وإلا فإن سنن الحياة لن تجعلها تنعم بحاضرها ومستقبلها.

خلاصته فإن دهاليز الظلام استمرار لسلسلة من دهاليز الاستبداد والظلم والافتراء والفشل والخشية من الإقبال على نسيم الحرية القوة الناعمة التي لا تتناغم  ومفاهيم الاستبداد والعسكر، ومهما زدت من جورك وشراستك أيتها الخلية الانقلابية  فلن يصمت أحرار الوطن والعرب من فضح زيفك ،وكما قال الكواكبي رحمه الله: إن من أقبح أنواع الاستبداد استبداد الجهل على العلم ،واستبداد النفس على العقل”.








Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s