رابعة المدينة الفاضلة…

كنت شاهد عيان لمشاهد كثيرة مرت على الثورة المصرية الرائدة ولمحت عيني مواقف وأحداث لم أتصور يوما أعيشها خلال ثلاث سنوات قضيتها  في مصر بعد الثورة المصرية ،ولم يخلد ببالي أن أنال شرف الرباط في  الميادين لمدة 46 يوما كانت لها وقع على فكري وحياتي بشكل عام.

يتحدثون كثيرا عن تلك المدينة الفاضلة ميدان رابعة العدوية فيركزون على جوانب الاقتحام والقتل والعنف والشقاء والظلم الذي مارسه عسكر الانقلاب في مصر وهذا حقهم ومن الطبيعي أن يحدث هذا في ظل الصراع القدري مابين الحق والباطل والوعي والهوى وبين الحرية والاستبداد.

قررت اليوم أن أتحدث عن أجواء مدينتي الفاضلة رابعة وأعرج على روحانياتها وجمالها وشؤونها وشجونها ورجالها وصناعها وشعرائها وعلمائها وفنانيها ومشايخها ومسرحها وإعلامها.

بدأت مسيرة الصراع مع نظام الانقلاب في مصر والنظام العالمي المتواطئ معه منذ تاريخ 28/6/2013 م  حينما نما للثوار أن هناك أمر ما يدعو للقلق ، وبعد أن أمهل الانقلابي المجرم السيسي  الثوار والحكومة  اسبوعا لإنهاء الوضع القائم المتأزم الذي صنعه ، فخيمنا في رابعة ونصبنا الخيام للضغط على العسكر للتنازل عن مشروعه الانقلابي ومضت أيام حتى مذبحة رابعة في 14/8/2013.

لم نكن نفكر حينها  كيف سنقضي تلك الأيام في الهواء الطلق في العراء وإنما كان همنا اليوم كيف يمكن أن نضغط على العسكر وداعميه  للرضوخ لمطالب الثوار.

كان الحر شديدا في شهر يوليو ولكن  كان الإيمان واليقين بنصر الله يلطف الجو  ويصرفنا  عن تلك المنغصات الجوية وإن كنا نتحايل عليها أحيانا بالثلج والماء البارد.

لم يكن في المدينة الفاضلة أماكن دورات المياه و أعداد الحشود تزداد  لتصل  بالملايين في أيام الجمع والأعياد والعطل مما حدا بحكومة الميدان إن صح التعبير بتوفير أماكن خاصة لقضاء الحاجة واستجابة لطلبات الشعب.

كان الاعلام الرسمي يبث بشكل يومي لم تستبد به  حكومة المدينة والذي تديره جماعة الإخوان وإنما يساهم  عبر إعلام المدينة جميع أطياف الشعب فيتكلم على شاشات الإعلام الرسمي ” المنصة”كل من شاء بمن فيهم الإخواني والسلفي والاشتراكي والعلماني والمسيحي والعسكري والقاضي والحقوقي والشرط الوحيد أن يكون المتكلم حرا يؤمن بمبادئ الحرية والعدالة.

من الطبيعي أن يكون الطعام والشراب من أولويات المدينة  ذلك لأنه زاد على الطريق وحاجة ماسة وخصوصا مع قدوم رمضان فتحولت المدينة إلى عرس متنقل وخصصت أماكن لمحلات تبيع الطعام والشراب هذا إلى جانب المطابخ المجانية التي تجرد أصحابها لإعداد ولائم الأكل للصائمين.

كان للشعر والشعراء  في مدينتنا  دور رائد وغايتهم المشاركة في إقامة حملات موجهة للدفاع عن قضيتنا  ولكن باسلوب شعري جميل  فتم إنشاء خيمة خاصة للشعر والشعراء توافد إليها الشعراء ولحقهم أبناء الشعب للدفاع عن قضايا المدينة وشعبها فأبدعوا ورفعوا رصيد المعنويات.

وللنساء ذكريات لا تنسى فلقد تسابقن مع اخوانهن في العمل والجد والصبر والمثابرة فلن تجد مظاهرة إلا وتخللتها النساء ولا تجد منصة أو اجتماع عام إلا وللنساء بينهن يقدمن  الكثير لرفع من طاقة  الشعب وتثبيتهم وكانت من اللفتات الباسمة  أن تمر كل صباح ثلة من  النساء الرائدات على خيام الرجال النائمين في خيامهم يحمسونهم على النهوض والتحرك والانطلاق إلى خارج الخيام  للمشاركة في المظاهرات فإذا أقبل العيد احتشدن في المخابز لإعداد كحك “كعك” العيد.

يتسابق الجميع لتوثيق مشاركته في المدينة الفاضلة وخصوصا من أراد أن يوثق نقلته النوعية في رابعة مثل المقبلين على الزواج فتسابقوا لعقد نكاحهم على منصة رابعة ثم بعضهم أقام حفل زواجه في ميدان رابعة لتكون له ذكرى لا تنسى.

يبدأ البرنامج الاعلامي لرابعة في الصباح الباكر بعد صلاة الفجر حيث يستهل بالورد اليومي من القرآن والأدعية المأثورة  ثم  تبدأ برامج أخرى منوعة فمنها  الايماني والحركي والصحي والهتافات الثورية بقيادة التراس رابعة ومنها أخبار ميدان رابعة وعلاقته بالمجتمع الخارجي واستقبال الوفود لاظهار الداعمين لرابعة.

اهتمت إدارة المدينة بنظافتها فأصبحت بجهود الجميع أنظف من القاهرة العاصمة واهتم الجميع بتنفيذ ذلك شعورا منهم بالارتباط والولاء لهذه المدينة ذلك لأن القلوب توحدت للدفاع عن الشرعية وكل ما يمثلها من تفاصيل تسوق لهذا الميدان الرمز .

لاشك أن الحر الشديد في شهر يوليو وعلى شارع اسفلتي يمتص الحرارة جعل أفرادا من الشعب يبتكرون الوسائل  التي تثبت المعتصمين  وترفع من زمن صبرهم في الميدان تحت الشمس وتحميهم من ضرباتها فروج في المدينة  الثلج وانتشرت المياه الباردة ورشاشات المياه المتجولة التي تأتيك على حين غرة جميلة ودون سابق انذار او موافقة مسبقة لان الجميع يتسابق لنيل ودها وسط الصيحات والضحكات.

لم تتجاهل  حكومة رابعة أطفالها الذين ملؤوا الميدان في عيد الفطر فصنعت لهم مدينة ألعاب مصغرة لإسعادهم وتوفير البيئة المناسبة التي يتم عبرها إحياء العيد المبارك، والجميل أن تكون تلك الألعاب بلا مقابل.

مدينتنا الفاضلة كما تضمنت رجالا تحصنوا بحفظ القرآن وعلوم الدنيا  تضمنت أيضا رجالا بذلوا  الروح  للذود عن حرية وطنهم وكرامة شعبهم فكل يوم تزف لنا قوافل الشهداء عبر إعلام المدينة وكل شهيد يأتيك بأخبار استثنائية من الخلق والرجولة والتضحية والتجرد فأضحت  تلك المدينة ساحات للإستثناءات.

لم تخلو المدينة من رجال الاستخبارات والأمن الوقائي وبين فينة وأخرى يتم القبض على بعض المخبرين والعملاء ممن يدسهم الانقلابيين للتجسس على شعب المدينة والعمل على تثبيط الهمم والتحريش بين المرابطين وبث عبارات الهزيمة والخنوع.

الحدود محمية  في مدينتنا الفاضلة فلا يمكن الدخول والخروج سوى عبر بوابات بات عليها رجال يتحرون طبيعة القادمين يفتشون أمتعتهم ويختبرون نفسياتهم ذلك للسهر على حماية شعبهم الحر فكان الانقلابيون يترددون كثيرا في الزج بعملائهم في وسط الميدان.

للمدينة الفاضلة  رابعة وزارات تقدم خدماتها بالمجان وخصوصا في جانبي الصحة والتعليم فلقد  انتشرت  دروس العلم بكافة أشكالها فشملت دروس للطلبة ودورات تهتم بعلوم القرآن وحفظه ودورات أخرى في التاريخ والوعي وغيرها ،أما الجانب الصحي فلقد أضحى المستشفى الميداني في رابعة مضرب مثل ومنارة إنسانية طبية  وتاريخ رفيع المستوى قبل وبعد المذبحة.

لم نتجاهل في مدينتنا الفاضلة الفن والصناعة فلقد صنعت رابعة فنانين في الغناء والتصوير والرسم وغيرها للترويج لمبادئها العادلة وللدفاع عن قضاياها ،وللصناعة العلمية  دور فلقد صنع مهندسوا رابعة طائرة تختص بتغطية أحداث المدينة ولو صبر عليهم نظام القتل والاجرام  لصنعوا طائرة تقصف الأعداء.

الكر والفر  والصراع مع الانقلابيين حلقات متجددة لا تنتهي ومن الطبيعي أن ترشح عن  أسرى من الجانبين وخاصة العسكر ، فلقد تعاملوا معهم بروح الإسلام فلم يتم التعذيب ولم يتم القتل وتم وضعهم في مكان آمن حتى تتم التسوية بشأنهم.

اهتمت كثيرا حكومة المدينة برفع الروح المعنوية لسكانها ولذا شكلت صيحات الميدان عاملا مهما في  التشجيع والتثبيت والتفاعل مع الأحداث فصيحات …راجع راجع …شدي حيلك يابلد …مرسي مرسي…يسقط يسقط حكم العسكر. ايوه بنهتف ضد العسكر. ..الحرية الحرية لسه العدل وزير داخلية والداخلية  زي ماهيه..الدخلية بلطجية..يا سفاح الساجدين انت حسابك يوم الدين…سبع سنين مكملين…قوة عزيمة إيمان..نعدم السيسي في الميدان..قولها وسمع كل حقود الرئيس حيعود حيعود…سبع سنين مكملين.. ولا أعلم لم اختاروا سبع سنين…..وغيرها من الصيحات والهتافات التي تهز القلب والأركان.

تلك المواقف التي نفخر بها في مدينتنا الفاضلة ولكن يحق لنا أن نعتب على حكومتنا آنذاك بأنها لم تمتلك الرؤية الواعدة للتعامل مع الانقلاب ولم تمتلك بعد رؤية ولا فهم أعمق لما يدور حولها من مكر ودهاء محلي وعالمي بينما كانت تمتلك كل مقومات النجاح لو اتخذت قراراتها وفق الفهم الصحيح لعدوها وإمكاناتها الثورية.

تلك بعض الخواطر والشوارد ومشاهد  من حبيبتي رابعة المدينة الفاضلة ويبقى ألا  ننسى ماحدث في مذبحة رابعة حيث القتل والتشريد والحرق والإجرام في ظل صمت وتواطأ عربي وأممي إزاء شعب أراد  استقلاله وحريته  وكرامة  بلده  ولابد لنا من القصاص وإن طال الزمان.

يقيني هنا أن االنصر قادم وبأن مرسي تعلم الدرس وسيقود المرحلة الثانية من الثورة ولكن بفكر يجمع ما بين الاصلاح والقوة وحينئذ إن قدر الله وبقينا سنشارك أفراح المدينة الفاضلة الأكبر مصر وسنحيا من جديد  بنصر من الله والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا  يعلمون…

  

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s