​الصمت في الخليج خيانة

الطغيان السياسي شديد الجبن شديد الحذر من وعي الشعوب لذا فهو يغتصب الدين والأخلاق والعقل والمال والنفوذ والبطولة والتربية والعلم ليطيل أمد بقائه.

يمكن أن نبرر لحكومة ما اعتقال رجل واجهها بقول او بفعل أرهقها ، ولكن كيف نبرر لسلطة اعتقلت رجال آثروا الصمت ورجّحوه إزاء تعاملهم مع أخطائها وخطاياها.

عندما يصبح الصمت والقول سيان في نظام ما وأن شعار “ما أريكم  إلا  ما أرى” يسيطر على  المشهد، فهذا يشير إلى أن هذا النظام تجاوز حد الحكمة وبدأ يتجه نحو الطغيان السياسي.

كيف لنا أن نسوّغ لصمتنا إزاء ما يجري الآن في السعودية من اعتقالات لم يسلم منها المبايع  أو المناهض لنظام السعودية ،وكيف للشعب السعودي أن يدع الاستبداد يقتحم مناطق خطرة كما اقتحمها نظام الإمارات من قبل فأصبح الشعب هناك فاقد حق الحياة والكرامة والمواطنة.

من المثير أن يعتقل النظام السعودي مشايخ وعلماء آثروا الصمت مثل سلمان العودة وعوض القرني وعلي العمري والفرحان والراشد وغيرهم وفي تزامن مع  ذكرى أحداث 11سبتمبر الأمريكية.

منذ ثورات الربيع العربي وبلدان الخليج العربي في صراع يتسم  بالمد والجزر إزاء قضايا  حقوق الانسان وأصوات الحرية والعدالة والمشاركة السياسية فمنهم من تعامل مع تلك القضايا بتحفظ  ومنهم من تعدى السقف فاعتقل وعذب وقتل وانتهك الحقوق.

حينما تم اعتقال المواطنين الإماراتيين في عام 2011 م وبعده ظن شعب الإمارات أن هذا شأن داخلي وأنها عملية محدودة لردع  وإعادة تأهيل بعض المواطنين ضمن مفهوم البيت الواحد ،فصمت الشعب  ولم يقم بواجبه تجاه الطغيان السياسي والبحث عن الحقيقة فكانت النتيجة أن الشعب كله أصبح معتقلا ،فنجح الطغيان فمارس النظام  طغيانا آخر خارج حدود الوطن.

من المفيد أن أذكر هنا للشعب السعودي خاصة وشعوب الأمة عامة أن أكثر ما يخشاه الطغاة المستبدون العلماء والمفكرين الذين  يبصرون الناس  بأن الحرية أفضل من الحياة، والنفس وعزها ، والشرف وعظمته والحقوق كيف تحفظ، والظلم كيف يرفع ، والإنسانية وما هي وظائفها.

لم لا نأخذ دروسنا من ثورات الربيع العربي ذلك أن السبب الرئيس  لسرقة ثورات الشعوب أو حريات الشعوب هي السذاجة في التعامل مع الاحداث وتأخر الفهم وغياب الوعي وسوء فهمنا لحقيقة الخصم.

لا مجال للمجاملة ولا التربيت  على الأكتاف بالصبر و خنق الإبداع  فالانقلابات هي البداية للإستبداد المطلق كما كان في مصر وأبوظبي والسعودية الآن .

كما ذكر المفكر الكواكبي في كتابه :أوتاد الأرض جبالها وأوتاد الدول حكامها و رؤساؤها ، وعليه فنقول للمسؤولين السعوديين  كما قلنا من قبل  للإماراتيين: ” نصرح بكلمات حق وصيحة في وادٍ إن ذهبت اليوم مع الريح فقد تذهب غدا بالأوتاد”.

استقر في خلدي ولدى  كثير من المعاصرين أن داء العرب وأسباب تخلفهم هو الاستبداد والطغيان السياسي وأن الدواء محفوظ في مجالس الشورى والمشاركة والمراقبة الشعبية الحقّة فإن لم تعالج  الحكومات هذا اللغز سلميا فإن المستقبل مقبل على ظلمات متراكمة.

من المحزن أن تصل الأخبار من السعودية أن الاستبداد والطغيان السياسي ضغط على عقول الشعب فأفسده ، وبدد أموال الشعب فأفقره ،ولعب بالدين فأفسد أهله ،وحارب العلماء فأعتقلهم ، ويستغل الآن تاريخ وقدسية الحرمين الشريفين فلا بد من مواجهته.

الأسباب كثيرة لاعتقال المشايخ ودعاة الاصلاح السياسي منذ بداية التسعينات ومنهم العودة وعوض القرني ولكن هناك أربعة أسباب رئيسة وهي ذاتها من  قادت الانقلابي محمد بن زايد  على اعتقال المئات في الامارات فالأول انتقاما من كل من  دعم ثورات الربيع العربي وشعاراتها من الحرية والمشاركة السياسية ، وثانيا الحياد في التعاطي مع سياسات محمدبن سلمان في المنطقة ومنها حصار قط ، وثالثا المشروع القادم وهو تخلي الملك عن العرش لولي عهده أو وفاة والده فجأة فيُضعف محمد بن سلمان شعبيا ، ثم خطة إصلاح محمد بن سلمان الشاملة  2030 والذي سوف يتجاوز عبرها كثيرا من معتقدات و مبادئ وعادات وتقاليد المجتمع السعودي ومنها العلاقات مع إسرائيل.

من المهم أن نذكر هنا أن مدرسة محمد بن زايد الانقلابية الأمنية بدأت تؤتي أكلها في سياسة  المملكة العربية السعودية العريقة وبدأت تتلاشى شيئا فشيئا العراقة والحكمة والاتزان، وليس ببعيد أن يتم الزجّ بتلك الرموز المُعتقلة في قضايا راهنة ومنها  أزمة قطر فتُلحق بهم اتهامات العمالة والخيانة ودعم جماعات إرهابية.

من الصعب أن يتم قبول محمدبن سلمان ملكا دون مساهمته في مشروع النسخة الثانية والذي يتم تجديده وتفعيله الآن  عبر الدول الأربع الشقيّة مصر والسعودية والامارات والبحرين بغطاء أمريكي وبمشاركة فاعلة إسرائيلية و روسيةالصمت في الخليج خيانة لمكافحة الإرهاب ويعنون  به  القضاءعلى ماتبقى من ثورات الربيع العربي ودعوات الحرية والاستقلال السياسي وكان من اللازم القضاء على  المعارضين لهذا التوجه في السعودية وقد يضطرون إلى اعتقال الشيخ العريفي.

أضحى الصمت لدى مستبدي الخليج عالَم أصعب من عالَم الكلام يصعب تفسيره إلا عبر اعتقال “فاعله “، ولذا فالصمت في عالمنا سلاحا لا يخشاه سوى الجبناء المستبدون.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s